|
الفصل الأول
مقدمة
أكتب ھنا ما أعتقده الحقيقة، فقصص الإغريق كثيرة، وھي في رأيي قصص .
سخيفة.
(ھيكاتيو س ميليتو س – كما نقلھا ھيرودوت س)
أفلاطون صديق، ولكن الحقيقة صديق أعظم. .
(صياغة جديدة لعبارة أرسطو في كتابه " الأخلاق")
في الدولة الحرة يستطيع كل إنسان أن يفكر كما يشاء، وأن يقول ما يفكر به. .
(سبينوزا)
على الرغم من أن ھذا الكتاب مكتوب باللغة الإنكليزية وموجه الى شعوب تعيش خارج دولة إسرائيل، فإنه، في ناحية من نواحيه، يشكل استمراراً لنشاطاتي السياسية
1966 ، إثر احتجاج تسبب، – كيھودي إسرائيلي .لقد بدأت ھذه النشاطات عام 1965 آنذاك، في فضيحة كبيرة .فقد كنت شاھداً على يھودي متعصب لا يسمح باستخدام ھاتفه في أحد أيام السبت، لاستدعاء سيارة إسعاف من أجل شخص غير يھودي صودف انھياره في الضاحية التي يسكنھا بالقدس .وعوضاً من أن ألجأ بكل بساطة، الى نشر نبأ ھذه الحادثة في الصحف، طلبت اجتماعا مع أعضاء ھيئة المحكمة الحاخامية لمدينة القدس، المؤلفة من حاخامات تعينّھم دولة إسرائيل .وقد ساألت ھؤلاء عما إذا كان مثل التصرف يتوافق مع تفسيرھم للديانة اليھودية، فأجابوني بأن ھذا اليھودي، موضوع البحث، كان مصيباً في تصرفه، بل تقياً صالحا .ًودعموا قولھم ھذا بإحالتي الى فقرة في مختصر معتمد للشرائع التلمودية، كان قد كتُب في ھذا القرن .فما كان مني إلا أن كتبت تقريراً بالحادثة، لليومية العبرية الرئيسية "ھآرتس " ، التي تسبب نشرھا للقصة بفضيحة إعلامية. وكانت النتائج الناجمة عن الفضيحة بالنسبة إلي، نتائج سلبية نوعا ما .فلا السلطات الحاخامية الإسرائيلية ولا نظيراتھا في الشتات، عكست حكمھا القاتل بأن اليھودي لا يجوز له انتھاك حرمة السبت من أجل إنقاذ حياة أحد الأغيار (غير اليھود ).ولقد أضافوا الى حكمھم ھذا، الكثير من الھذر المغلّف بالتقوى، والذي كان مفاده أن عملاً من ھ ذا النوع، إذا كانت نتيجته تُعرّض اليھود، فقط، للخطر، يصبح حينئذ انتھاك حرمة السبت من أجلھم انتھاكاً جائزا .ًولما كنت قد بدأت في شبابي بدراسة الشرائع التلمودية التي تحكم العلاقات بين اليھود وغير اليھود، بات واضحاً بالنسبة إلي، وبالاستناد الى ھذه المعرفة التي اكتسبتھا، أن لا الصھيونية، ولا حتى في جزئھا الذي يبدو علمانيا،ً ولا السياسة الإسرائيلية منذ ولادة دولة إسرائيل، ولا سياسات مؤيدي إسرائيل اليھود، في الشتات، خصوصا،ً يمكنھا أن تكون مفھومة ما لم يؤُخذ في الحسبان التأثير الأعمق لھذه الشرائع وللنظرة الى العالم التي يتخلقھا وتعبّر عنھا في آن .وإن المناسبات الفعلية التي انتھجتھا إسرائيل بعد حرب الأيام الستة، ولا سيما سياسة التمييز العنصري التي يتسم بھا الحكم الإسرائيلي في المناطق، وموقف الأكثرية اليھودية من مسألة حقوق الفلسطينيين، حتى كفكرة مجردّة، قد عززت قناعتي ليس إلا. وإنني لدى إدلائي بھذا القول، لا أحاول أن أتجاھل الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي تكون قد أثرت في حكام إسرائيل .فما أقوله بكل بساطة، ھو أن السياسة الفعلية ھي تفاعل بين الاعتبارات الواقعية (صحيحة كانت أم خاطئة، أو برأيي، خلقية كانت أم غير خلقية)وبين التأثيرات الأيديولوجية التي تميل الى أن تكون أكثر نفوذاً كلما كانت مناقشتھا أقل، وكلما كان "جرّھا الى تحت الأضواء "أقل .فأي شكل من أشكال العنصرية والتمييز وكراھية الغير يصبح أقوى وأكثر نفوذاً سياسياً إذا اعتبره المجتمع الذي يتعاطاه أمراً مسلّماً به.ويصح ھذا القول بصفة خاصة، إذا كانت مناقشته ممنوعة، إن رسمياً أم بالإتفاق الضمني .وعندما تكون العنصرية والتمييز وكراھية الغير سائدة في وسط اليھود وموجھة ضد الأغيار وتوقدھا الدوافع الدينية، فإنھا تصبح كحالتھا النقيضة، أي كمعاداة السامية ودوافعھا الدينية .ولكن في الوقت الذي تناقش فيه معاداة السامية اليوم، نجد تجاھلاً عاماً خارج إسرائيل أكثر مما ھو في داخلھا، لوجود العنصرية والتمييز وكراھية الغير بالذات، في وسط اليھود ضد غير اليھود.
تعريف الدولة اليھودية
لا يمكننا أن نفھم، حتى ولا مفھوم إسرائيل ك " دولة يھودية " ، كما تعرّف إسرائيل نفسھا رسميا،ً من دون بحث المواقف اليھودية السائدة، تجاه غير اليھود .والتصور الخاطئ الشائع بأن إسرائيل ديمقراطية حقيقية، حتى من دون أن نراعي حكمھا في المناطق المحتلة، ھو تصورّ ناشئ عن رفض مواجھة المغزى في مصطلح " الدولة اليھودية"بالنسبة الى غير اليھود .وفي رأيي، أن إسرائيل كدولة يھودية، تشكل خطراً ليس على نفسھا وسكانھا فحسب، بل على اليھود كافة وعلى الشعوب والدول الأخرى جميعاً في الشرق الأوسط وما ورائه .كما أن الدول أو الكيانات الشرق أوسطية الأخرى، التي تعرّف نفسھا كدول أو كيانا ت "عربية "أو " إسلامية " ، كتعريف إسرائيل لنفسھا على أنھا "دولة يھودية " ، فإنني أعتبرھا بأنھا تشكل بدورھا خطراً أيضا .ًولكن في الوقت الذي يبُحث فيه ھذا الخطر على نطاق واسع، فإننا نرى أن الخطر المتأصل في الطابع اليھودي لدولة إسرائيل، ليس موضوعاً مطروحاً على بساط البحث. لقد كان لمبدأ إسرائيل ك " دولة يھودية "أھميته العظمى لدى السياسيين الإسرائيليين منذ نشوء الدولة .وقد غرُس ھذا المبدأ في أذھان السكان اليھود بمختلف الوسائل التي يمكن تصورھا .وفي أوائل الثمانينات، عندما برزت أقلية من اليھود الإسرائيليين تعارض ھذا ا لمبدأ، أقرّت الكنيست عام 1985 ، وبأغلبية ساحقة، قانوناً دستورياً ( أي قانون يتقدم على مواد القوانين الأخرى كافة والتي لا يمكن إلغاؤھا إلا بإجراء خاص ). وبموجب ھذا القانون، لم يعد يسمح لأي حزب بالمشاركة في انتخابات الكنيست إذا كان برنامجه يعارض، علنا،ً مبدأ " الدولة اليھودية " ، أو إذا كان يقترح تغييره بالوسائل الديمقراطية.وإنني، شخصيا،ً أعارض ھذا المبدأ الدستوري، فالتبعات القانونية بالنسبة إلي، تعني بأنني لا أستطيع، في دولة أنا مواطن فيھا، أن أنتمي الى حزب له مبادئ اتفق معه فيھا ويكون مسموحاً له بالمشاركة في انتخابات الكنيست .وحتى ھذا المثل يبيّن بأن دولة إسرائيل ليست دولة ديمقراطية بسبب تطبيقھا لإيديولوجية يھودية موجھة ضد الأغيار، وضد اليھود المعارضين لھذه الأيديولوجية، أجمعين .ولكن الخطر الذي تمثله ھذه الأيديولوجية المھيمنة لا يقتصر تأثيره على الشؤون الداخلية فحسب، بل على السياسات الخارجية الإسرائيلية أيضا .ًوسيستمر ھذا الخطر بالنمو ما دام تعزيز حركتين ناميتين مستمراً في الوقت الحاضر : ازدياد الطابع اليھودي لدولة إسرائيل، وازدياد قوتھا، وخصوصاً القوة النووية .أما ازدياد النفوذ الإسرائيلي في المؤسسة السياسية الأميركية فھذا عامل آخر ينذر بالشؤم .ولذلك، فإن المعلومات الدقيقة حول اليھودية، وخصوصاً حول معاملة إسرائيل لغير اليھود، ليست، الآن، على الصعيد السياسي، معلومات مھمة فحسب، بل حيوية أيضاً. ودعوني أبداً بالتعريف الإسرائيلي لمصطلح " اليھودي " ، لأظھر الفارق الأساسي بين إسرائيل ك " دولة يھودية " ، وبين أكثرية الدول الأخرى .فإسرائيل بحسب ھذا التعريف، ھي "ملُْكٌ"لأشخا ص تعرفّھم السلطات الإسرائيلية ك " يھود"بصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، وتعود اليھم وحدھم .أما من ناحية أخرى، فھي لا " تعود"لمواطنيھا من غير اليھود، الذي تُعتبر مكانتھم لديھا مكانة دونية، حتى على الصعيد الرسمي. وھذا يعني عمليا،ً بأن أفرادا قبيلة من قبائل البيرو، إذا أعتنقوا الديانة اليھودية، واعتبُروا بالتالي من اليھود، يحق لھم أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين على الفور، وأن يستفيدوا من حوالي 70 بالمائة من أر اضي الضفة الغربية ( ومن 92 بالمائة من مساحة إسرائيل الأصلية) ، المكرّسة رسميا،ً لصالح اليھود فحسب. أما الأغيار كافة ( وليس الفلسطينيون وحدھم ) ، فإنھم يُمنعون من الاستفادة من ھذه الأراضي . ( وينطبق ھذا المنع حتى على الإسرائيليين العرب الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي وبلغو رتُباً عالية فيه ).والحالة التي تشمل البيروفيين الذين اعتنقوا اليھودية، قد حصلت، بالفعل، منذ بضع سنوات .وقد جرى توطين ھؤلاء اليھود الجدد في الضفة الغربية، بالقرب من نابلس، في أراض يُستبعد منھا المواطنون غير اليھود استبعاداً رسميا .ًوتقوم حكومات إسرائيل كافة بمجازفات سياسية كبيرة، بما فيھا المجازفة بالحرب، من أجل ھذه المستوطنات، التي يقتصر تأليفھا على أشخاص معرفّين ك " يھود" ( وليس ك" إسرائيليين" ، كما تدعي، كاذبة، غالبية وسائل الإعلام ) ، ومن أجل أن تكون مستوطنات خاضعة لسلطة " يھودية"فقط. وأظن بأن المسيحيين، إذا اقترحوا أن تتحول الولايات المتحدة، أو المملكة المتحدة الى "دولة مسيحية "تعود فقط لمواطنين يعرفّون رسميا ، ك "مسيحيين" ، فإن يھود الولايات المتحدة، أو بريطانيا، سوف يعتبرون ذلك معاداة للسامية .ونتيجة عقيدة من ھذا النوع ھي أن اليھود الذين يعتنقون المسيحية سوف يصبحون مواطنين كاملين بسبب تحولھم .وينبغي لنا أن نتذكر بأن فوائد اعتناق ديانات أخرى كانت معروفة جيداً من اليھود، من تاريخھم الخاص .فعندما كانت الدول المسيحية والإسلامية تميّز ضد الأشخاص كافة، الذين لا ينتمون الى ديانة دولة، بمن فيھم اليھود، كان اليھود يزيلون ھذا التمييز على الفور، بتحولھم عن ديانتھم .والتمييز الذي تعامل به دولة إسرائيل الشخص غير اليھودي سيتوقف في اللحظة التي يعتنق فيھا، ھو أو ھي، الديانة اليھودية.وھذا يظھر ببساطة، بأن نوع الحصرية نفسه الذي تعتبره أكثرية يھود الشتات كمعاداة للسامية، تعتبره أكثرية اليھود كافة، كيھودية.ومعارضة معاداة السامية والشوفينية اليھودية على حد سواء، أمر يُعتبر في وسط اليھود، وعلى نطاق واسع، كمثل " كراھية الذات".وھذا مفھوم اعتبره كلاماً فارغاً. وھكذا، يصبح معنى مصطلح " اليھودي" ، ومشتقاته، بما فيھا اليھودية، معنى مھماً في مضمون السياسة الإسرائيلية، وبمقدار أھمية معنى " الإسلامي " ، عندما تستخدم إيران ھذا المصطلح رسميا،ً ومعنى " الشيوعي"عندما كان الاتحاد السوفييتي يستخدم ھذا المصطلح رسميا .ًإلا أن معنى مصطلح " اليھودي"كما ھو شائع استخدامه، معنى غير واضح، لا با لعبرية ولا عندما يتُرجم الى لغات أخرى، ولذلك كان ينبغي تعريفه رسمياً. فبحسب القانون الإسرائيلي يُعتبر الشخص " يھودياً"إذا كانت والدته أو جدته، أو جدته لأمه، أو جدته لجدته، يھودية في ديانتھا؛ أو إذا اعتنق الشخص الديانة اليھودية بطريقة ترضي السلطات الإسرائيلية، ولكن شرط ألا يكون ھذا الشخص قد تحول في وقت من الأوقات، عن اليھودية واعتنق ديانة أخرى، ففي ھذه الحالة تقلع إسرائيل، عن اعتباره " يھودياً".ويمثل الشرط الأول من الشروط الثلاثة، التعريف التلمودي ل "من ھو اليھودي " وھو التعريف الذي تعتمده الأرثوذوكسية اليھودية .ويعبرف التلمود والشرع الحاخامي اللاحق له أيضا،ً بتحول غير اليھودي الى اليھودية (مثلما يعترف بشراء اليھودي لعبد غير يھودي، يليه نوع آخر من التحول عن ديانة واعتناق أخرى )كطريقة من الطرق، لكي يصبح المرء يھوديا ، شرط أن يجري مراسم التحول بالطريقة الصحيحة، حاخامات مخولون ھذه السلطة.وھذه " الطريقة الصحيحة"تستلزم بالنسبة الى الإناث، معاينتھن من ثلاثة حاخامات وھنّ عاريات في "حمام التطھير " ، وھو طقس وإن كان معروفاً من قراء الصحف العبرية كافة، فإن وسائل الإعلام باللغة الإنكليزية غالباً ما تحجم عن ذكره، على الرغم من كونه، بلا ريب، موضوعاً مثيراً لاھتمام بعض القراء . وآمل بأن يكون ھذا الكتاب بداية لعملية تُصحح ھذا النقص. ولكن ھناك ضرورة ملحة أخرى لتعريف من ھو اليھودي ومن ھو غير اليھودي .فدولة إسرائيل تميزّ لصالح اليھود وضد غير اليھود، في العديد من مجالات الحياة؛ وأنني أعتبر ثلاثة منھا المجالات الأھم من غيرھا :حقوق الإقامة، الحق بالعمل، والحق بالمساواة أمام القانون .ويقوم التمييز في مسألة الإقامة على حقيقة أن نحو 92 بالمائة من أرض إسرائيل ھي ملك للدولة، وتديرھا سلطة أرض إسرائيل بموجب قوانين أصدرھا للمنظمة الصھيونية العالمية .وينكر الصندوق (J.N.F.) الصندوق القومي اليھودي القومي اليھودي في قوانينه الحق بالإقامة والحق بمزاولة عمل تجاري، وغالبا،ً حق العمل أيضا،ً على كل من ھو غير يھودي، لمجرد أنه ليس يھوديا،ً بينما لا يُمنع اليھود من الإقامة ومزاولة العمل التجاري، في أي مكان في إسرائيل .وإذا جرى تطبيق مثل ھذه الممارسة التمييزية ضد اليھود في أي دولة أخرى، فإن ھذه الدولة ستوصم فورا،ً وعن حق، بمعاداة السامية، وستوقد بلا شك، احتجاجات شعبية واسعة النطاق .ولكن عندما تُطبق إسرائيل ھذا التمييز كجزء من " ايديولوجيتھا اليھودية " ، فإ ن ھذه الممارسة تحظى عادة، بتجاھل مجتھد، أو بتبريرات إذا ذُكرت، وھي نادراً ما تذكر. أما نكران حق العمل فيعني بأن غير اليھود يمنعون رسميا،ً من العمل على الأراضي التي تديرھا سلطة أراضي إسرائيل، وفق أنظمة الصندوق القومي اليھودي .ولا شك أن ھذه الأنظمة لا تنُفذ دائما،ً ولا حتى في أغلب الأحيان، ولكنھا أنظمة موجودة . وتحاول إسرائيل من وقت الى آخر، تنظيم حملات تنفيذ بالقوة، بواسطة سلطات الدولة، مثلما ھو الحال، على سبيل المثال، عندما تعمل وزارة الزراعة ضد " وباء السماح لعمال عرب بجني محاصيل بساتين الفاكھة العائدة ليھود، والقائمة على أرض قومية [ أي على أر ض عائدة لدولة إسرائيل ]" ، حتى ولو كان العرب، موضوع البحث، مواطنين إسرائيليين .وتتشدد إسرائيل أيضا،ً في منع اليھود الذين يستوطنون أرضاً من " الأراضي القومية "من إعادة تأجير ولو جزء من أرضھم الى أشخاص عرب، حتى لوقت قصير؛ ويعُاقب عادة، الذين يفعلون ذلك بغرامات باھظة .ولكن لا يوجد خطر يحول دون إقدام المواطنين غير اليھود على تأجير أراضيھم الى مواطنين يھود .وھذا يعني، في حالتي الخاصة، بأنني أمتلك الحق، بفضل كوني يھوديا،ً باستئجار بستان من يھودي آخر، لقطف ثماره، ولكن غير اليھودي، سواء أكان مواطناً إسرائيلياً أم مقيماً غريباً فيھا، لا يمتلك ھذا الحق. ولا يتمتع مواطنو إسرائيل من غير اليھود بحق المساواة أمام القانون .ويُعبّر عن ھذا التمييز العديد من القوانين الإسرائيلية، التي تحجم عادة، تلافياً للحرج، عن ذكر مصطلحي " اليھودي"و "غير اليھودي"صراحة، كما ھي الحال في قانون العودة الأساسي.وبحسب ھذا القانون، فإن الأشخا ص المعترف بھم رسميا،ً دون غيرھم بأنھم " يھود"لھم الحق التلقائي بدخول إسرائيل والاستيطان فيھا .ويتسلم ھؤلاء بصورة تلقائية، "شھادة ھجرة " ، تزودھم فور وصولھم ب " الجنسية نظراً لعودتھم الى الوطن اليھودي " ، ويحق لھم الحصول على تقديمات مالية عديدة، تتفاوت نوعاً ما، بحسب البلد الذي ھاجروا منه .فاليھود الذين يھاجرون من دول الاتحاد السوفييتي السابق، يحصلون على "ھبة استيطان"تزيد على 20000 دولار للعائلة الواحدة. وبموجب ھذا القانون، يكتسب جميع اليھود الذين يھاجرون الى إسرائيل، وعلى الفور، حق التصويت في الانتخابات، وحق انتخابھم ممثلين في الكنيست – حتى وإن كانوا لا يتكلمون كلمة عبرية واحدة. وتستعيض القوانين الإسرائيلية الأخرى عن ھذه المصطلحات بعبارات تفوقھا بلادة، مثل عبارتي "كل من يستطيع الھجرة وفق قانون العودة " ، و "كل من لا يحق له الھجرة بموجب قانون العودة ".وبالاستناد الى ھذا القانون، موضوع بحثنا، تُمنح التقديمات عندئذ، للمدرجين في الفئة الأولى، وتُحجب بانتظام، عن المدرجين في الفئة الثانية . وبطاقة الھوية التي يفترض على الجميع حملھا في كل الأوقات، ھي الوسيلة الروتينية لفرض التمييز في الحياة اليومية. فبطاقات الھوية تسجل " القومية"الرسمية للشخص؛ ويمكن لھذه " القومية "أن تكون " يھودية"أو "عربية"أو " درزية"أو ما شابه ذلك، ولكن ليس " إسرائيلية " ، وھذا استثناء ذو مغزى .وكان الإسرائيليون الذين أراد وا أن يوصفوا رسمياً كإسرائيليين في بطاقات ھوياتھم، أو حتى كإسرائيليين يھود، قد فشلوا في محاولاتھم لإجبار وزارة الداخلية على السماح لھم بذلك .أما الذين حاولوا ذلك فعلا،ً فقد تلقوا كتاباً من وزارة الداخلية مضمونه: " تقرر الامتناع عن الاعتراف بقومية إسرائيلية ".ولكن ھذا الكتاب لم يحدد الجھة التي اتخذت ھذا القرار، ومتى اتخذته. وتميّز قوانين وأنظمة عديدة في إسرائيل لصالح الأشخا ص المعرفّين أشخاصاً " يستطيعون الھجرة وفق قانون العودة " ، مما يستدعي معالجة مستقلة للموضوع . ولكننا نستطيع ھنا، النظر في مثل واحد قد يبدو تافھاً بالمقارنة مع قيود الإقامة، ولكنه مع ذلك، مثل مھم لأنه يميط اللثام عن النوايا الحقيقية للمشترع الإسرائيلي . فالمواطنون الإسرائيليون الذين غادروا البلد لبعض الوقت، ولكنھم معرفّون كمواطنين " يستطيعون الھجرة وفق قانون العودة " ، ھم مواطنون مؤھلون للحصول على منافع جمركية سخية لدى عودتھم، وعلى معونات مالية لتعليم أولادھم في المدارس الثانوية، وعلى ھبة أو قرض بشروط سھلة، لشراء شقة سكنية، بالإضافة الى تقديمات أخرى أيضا .ً أما المواطنون الذين لا يمكن تعريفھم بھذا الشكل، أي مواطنو إسرائيل من غير اليھود، فلا يحصلون على شيء من ھذه التقديمات .والقصد الواضح من مثل ھذه الإجراءات التمييزية، ھو تقليص عدد المواطنين الأغيار في إسرائيل، لجعل إسرائيل دولة أكثر " يھودية".
عقيدة الأرض المستردة
تنشر إسرائيل في وسط مواطنيھا اليھود عقيدة حصرية لاسترداد الأر ض .ويمكننا من خلال ھذه العقيدة، التي تلُقن لتلامذة المدارس في إسرائيل، أن ندرك جيداً ھدفھا الرسمي الرامي الى تقليص عدد المواطنين غير اليھود الى حدّه الأدنى .فھؤلاء التلامذة يلُقنون بأن ھذه العقيدة ھي عقيدة قابلة للتطبيق، إما في أنحاء دولة إسرائيل وإما، من بعد العام 1967 ، في أنحاء ما يُشار اليه ك " أر ض"إسرائيل .وبحسب ھذه الأيديولوجية، فإن الأرض التي " استرُدت"ھي الأرض التي انتقلت من ملكية غير يھودية الى ملكية يھودية .وھذه الملكية يمكنھا أن تكون إما ملكية خاصة أو ملكاً للصندوق القومي اليھودي أو للدولة اليھودية . أما الأرض التي تعود الى غير اليھود، فإنھا، على العكس من ذلك، تُعتبر أرضاً "غير مستردة ".وھكذا، إذا كان يھودي قد ارتكب أبشع الجرائم، التي يمكن تصورھا، وأقدم على شراء قطعة أرض من شخص فاضل غير يھودي، تصبح الأرض "غير المستردة " ، بموجب ھذا التبادل، أرضاً "مستردة ".ولكن إذا أقدم شخص فا ضل غير يھودي، على شراء قطعة أرض من أسوأ اليھود، فإن الأرض التي كانت سابقا،ً أرضاً طاھرة و "مستردة "تصبح أرضاً "غير مستردة "مرة أخرى . والنتيجة المنطقية لمثل ھذه الأيديولوجية ھي الطرد، أو ما يسمى " النقل" الذي يطال المواطنين الأغيار كافة، من مساحلة الأرض التي " استرُدت ". ،(Transfer) وبالتالي، فإن يوتوبيا " الأيديولوجية اليھودية "التي تبنتھا دولة إسرائيل ھي الأرض " المستردة"بأكملھا، والتي لا يملكھا الأغيار أو يعملون فيھا .ولقد عبّر زعماء حركة العمل الصھيونية عن ھذه الفكرة المنفرّة تماما،ً تعبيراً كان غاية في الوضوح.
1) ، كيف ) History of Zionism ويخبرنا ولتر لاكير، وھو الصھيوني المخلص، في كتابه كان أحد ھؤلاء الآباء الروحيين، وھو أ .د.غوردون، الذي توفي عام 1919 ، "معارضاً للعنف مبدئيا،ً ويبرر الدفاع عن النفس فقط في ظروف بالغة الشدة .ولكنه وأصدقاءه، أرادوا لكل شجرة ولكل أجمة في الوطن اليھودي، أن تُزرع على يد الرواد اليھود فحسب، وليس على يد أحد غيرھم ".وھذا يعني بأنھم أرادوا للآخرين كافة أن يرحلوا ويتركوا الأر ض " ليستردھا"اليھود، أما خلفاء غوردون فقد أضافوا من العنف أكثر مما كان يقصده ھو نفسه، ولكن بقي مبدأ " الاسترداد"والنتائج المترتبة عليه. وعلى نحو مماثل، فإن الكيبوتس، الذي كان الترحيب به واسع النطاق كمحاولة لخلق المجتمع المثالي، كان وما زال يوتوبيا اقتصادية، لأنه حتى ولو كان مؤلفاً من الملحدين فإنه لا يقبل في وسطه، مبدئيا،ً بأعضاء من العرب، ويطالب الأعضاء المحتملين من قوميات أخرى، بالتحول أولاً عن ديانتھم واعتناقھم الديانة اليھودية .ولا عجب أن نعتبر شبيبة الكيبوتس أكثر شرائح المجتمع اليھودي الإسرائيلي ميلاً للقتال. وإن ھذه الأيديولوجية الحصرية، ھي التي حددت عمليات الاستيلاء على الأرض في إسرائيل، في الخمسينيات، ثم في أواسط الستينات، وفي المناطق المحتلقة بعد العام
1967، وليست " الحاجات الأمنية "التي تزعمھا الدعاية الإسرائيلية .وھذه الأيديولوجية ھيالتي أملت أيضا،ً الخطط الإسرائيلية الرسمية من أجل " تھويد الجليل ".وھذا المصطلح الغريب يعني تشجيع اليھود على الاستيطان في الجليل بمنحھم تقديمات مالية. ( وإنني لأتساءل ماذا ستكون ردة فعل يھود الولايات المتحدة فيما لو اقترُحت خطة في بلادھم، لجعل نيويورك مسيحية، أو حتى بروكلين وحدھا ).ولكن استرداد الأرض يعني ضمنا،ً أكثر من"التھويد"الإقليمي.فالصندوق القومي اليھودي، المدعوم بقوة من الوكالات الرسمية الإسرائيلية، (خصوصاً من الشرطة السرية ) ، ينفق، في كامل مساحة إسرائيل، مبالغ ضخمة من الأموال العامة من أجل " استرداد "أي أرض يرغب الأغيار في بيعھا، ومنع أي محاولة يقوم بھا يھودي، لبيع أرضه لغير يھودي، وذلك عن طريق دفع سعر أعلى له.
التوسع الإسرائيلي
إن الخطر الرئيسي الذي تشكله إسرائيل "كدولة يھودية" ، على شعبھا واليھود الآخرين وجيرانھا، ھو سعيھا، بالدافع الأيديولوجي، الى التوسع الإقليمي، وسلسلة الحروب المحتومة، الناتجة عن ھذا الھدف .فكلما أصبحت إسرائيل أكثر يھودية، أو كما يقال بالعبرية، كلما "عادت الى اليھودية " ( وھي عملية جارية في إسرائيل، على الأقل، منذ العام 1967 ) ، كلما كانت سياستھا تسترشد بالاعتبارات الأيديولوجية اليھودية، أكثر مما تسترشد بالاعتبارات العقلانية .واستخدامي لمصطلح "عقلاني"ھنا، ليس تقويماً خلقياً للسياسات الإسرائيلية، أو لحاجات إسرائيل المفترضة الى الدفاع والأمن – ولا حتى لحاجات إسرائيل المفترضة الى " البقاء".إنني بھذا الاستخدام، أشير ھنا الى السياسات الامبريالية الإسرائيلية القائمة على مصالحھا المفترضة. فمھما كانت ھذه السياسات سيئة خلقياً وعلى جھل سياسي مطبق، فإنني أعتبر تبني السياسات القائمة على " الأيديولوجية اليھودية "بصيغھا المختلفة كافة، لا أسوأ منھا فحسب، بل أسوأ بكثير .فالدفاعات الأيديولوجية للسياسات الإسرائيلية تقوم عادة، على المعتقدات الدينية اليھودية، أو ، كما في حالة اليھود العلمانيين، على " الحقوق التاريخية"لليھود، المستمدة من ھذه المعتقدات نفسھا، والتي تحتفظ بالطابع العقائدي للايمان الديني. ولقد بدأ تحولي السياسي المبكرّ من معجب ببن – غوريون الى شخص كرّ س نفسه لمعارضته، بدأ بمسألة من ھذا النوع .ففي العام 1956 ، افتعلت كل الأسباب السياسية والعسكرية التي ساقھا بن – غوريون ليعلل مبادأة إسرائيل في حرب السويس، والى حين إقدامه ( وھو الملحد، المفاخر بتجاھله لوصايا الديانة اليھودية )على الإعلان في الكنيست، في اليوم الثالث على بداية تلك الحرب، أن سببھا الحقيقي ھو " إعادة مملكة داوود وسليمان الى حدودھا التوراتية ".فعند ھذه النقطة من خطابه، وقف تقريباً وبعفوية، أعضاء الكنيست كافة، وأنشدوا النشيد الوطني الإسرائيلي .وبحسب علمي، لم يحصل قط أن أعلن أي سياسي صھيوني رفضه لفكرة بن – غوريون القائلة بأن السياسات الإسرائيلي يجب أن تقوم ( وضمن حدود الاعتبارات البراغماتية )على إعادة الحدود ال توراتية كحدود للدولة اليھودية .وبالفعل، فإن التلحيل الدقيق للاستراتيجيات الإسرائيلية الكبرى، والمبادئ الفعلية للسياسة الخارجية، كما يُعبر عنھا بالعبرية، يوضح بأن الأيديولوجية اليھودية ھي التي تحدد، أكثر من أي عامل آخر، السياسات الإسرائيلية الفعلية.وأن تجاھل اليھودية، كما ھي على حقيقتھا، و " الأيديولوجية اليھودية"يجعل ھذه السياسات سياسات لا يفھمھا المراقبون الأجانب الذين لا يعرفون عادة، أي شيء عن اليھودية إلا التبريرات الفجّة. دعوني أعطي توضيحاً حديثاً أكثر، عن الفارق الجوھري القائم بين التخطيط الإمبريالي الإسرائيلي من النوع المضخم للغاية، ولكن العلماني، وبين مبادئ " الأيديولوجية اليھودية".فالايديولوجية اليھودية توصي بأن الأرض التي كانت في قديم الزمان، إما محكومة من حاكم يھودي كائناً من كان، أو موعودة لليھود من الله إما في التوراة، أو بحسب تفسير حاخامي للتوراة والتلمود – وھو الأھم سياسياً في الواقع – فإن ھذه الأرض يجب أن تعود لإسرائيل بما أنھا دولة يھودية .ومما لا شك فيه أن الكثيؤرين من الحمائم اليھود يرون بأن فتحاً من ھذا النوع يجب أن يؤجل الى وقت تكون فيه إسرائيل قد أصبحت أقوى مما ھي عليه الآن، أو أنھم يتطلعون برجاء، الى حدوث " فتح سلمي" ، أي أن يجري إقناع الحكام العرب أو الشعوب العربية، بالتنازل عن الأرض، موضوع البحث، لقاء منافع تنعم بھا عليھم الدولة اليھودية حينذاك. ويجري التداول اليوم، بعدد من الصيغ المتباينة لحدود أرض إسرائيل التوراتية، التي تفسرھا مراجع حاخامية كحدود تعود في الوضع المثالي، للدولة اليھودية .والصيغة الأبعد أثراً تشمل ضمن ھذه الحدود :كامل سيناء وجزءاً من شمالي مصر وحتى ضواحي القاھرة، في الجنوب؛ كامل الأردن وجزءاً كبيراً من العربية السعودية، كامل الكويت وجزءاً من العراق جنوبي الفرات، في الشرق ، كامل لبنان وسوريا مع جزء كبير جداً من تركيا (حتى بحيرة فان) ، في الشمال؛ وقبرص في الغرب. وتنُشر في إسرائيل، غالباً بمعونات مالية من الدولة، أو بأشكال أخرى من الدعم، كمية كبيرة من الأبحاث والمناقشات الثقافية القائمة على أسا س ھذه الحدود، والمشمولة في الأطا لس والكتب والمقالات، وفي أشكال شعبية أكثر، من أشكال الدعاية .ومن المؤكد أن الراحل (متير)كاھانا وأتباعه، بالإضافة الى ھيئات نافذة أخرى مثل حركة غو ش ايمونيم، لا يرغبون، بفتح إسرائيل لھذه الأراضي فحسب، بل يعتبرون مثل ھذا الفتح عملاً موصى به من الله، وسوف يكو ن نجاحه مؤكداً بما أن الله سيساعد فيه . وفي الواقع، ھناك شخصيات دينية يھودية مھمة، تعتبر رفض إسرائيل الشروع في حرب مقدسة من ھذا النوع، أو ما ھو أسوأ من ذلك، إعادتھا صحراء سيناء لمصر، خطيئة قومية، عاقبھا الله عليھا، عن حق .وكان أحد حاخامات غو ش ايمونيم، والمد عو دوف ليور، حاخام مستوطنة كريات أربع اليھودية في الخليل، والأكثر نفوذاً من غيره، قد 1985، كان عقاباً – أعلن تكرارا،ً بأن إخفاق إسرائيل في غزو لبنان في السنوات 1982 إلھياً استحقته عن جدارة لخطيئتھا في " إعطاء جزء من أر ض إسرائيل " ( أي سيناء ) لمصر. وعلى الرغم من أنني اخترت، والحق يقال، مثلاً متطرفاً على الحدود التوراتية لأرض إسرائيل، التي تعود ل "الدولة اليھودية " ، فإن ھذه الحدود تتمتع بشعبية كبيرة في الدوائر القومية – الدينية .وھناك صيغ أقل تطرفا،ً للحدود التوراتية، التي تُسمى أحيانا،ً " الحدود التاريخية"أيضاً.ولكن ينبغي التشديد على أن مفھوم الحدود التوراتية أو الحدود التاريخية كالحدود المعينة للأرض التي تعود لليھود بالحق، أمر لا تنكره في داخل إسرائيل، ولا في وسط جالية مؤيديھا اليھود في الشتات، لأسباب مبدئية، إلا أقلية صغيرة تعارض مفھوم الدولة اليھودية .وفيم ا عدا ذلك، فإن الاعتراضات على تحقيق مثل ھذه الحدود، عن طريق الحرب، اعتراضات براغماتية صرفة .ويستطيع المرء أن يدعي بأن إسرائيل اليوم، أضعف من أن تستطيع فتح كامل الأراضي التي " تعود " لليھود، أو أن يدعي بأن خسارة الأرواح اليھودية ( وليس الأرواح العربية !) ، التي تستلزمھا حرب غازية بھذه الضخامة، أھم من فتح الأراضي، ولكن لا يستطيع المرء، بحسب معايير اليھودية، أن يدعي بأن " أرض إسرائيل "ضمن أي حدود كانت، لا " تعود " لليھود كافة .وكان أريئيل شارون في أيار /مايو عام 1993 ، قد اقترح رسميا،ً في مؤتمر حركة الليكود، ضرورة أن تتبنى إسرائيل مفھوم الحدود التوراتية كسياستھا الرسمية . وكانت ھناك اعتراضات قليلة بعض الشيء، على ھذا الاقتراح، إن في الليكود أم خارجه، وكانت كلھا اعتراضات تقوم على أسباب براغماتية .كما أن أحداً لم يسأل شارون أين ھي بالضبط، الحدود التوراتية التي يلح على وجوب أن تحققھا إسرائيل . ودعونا نتذكر بأنه لم يكن ھناك أي شك في وسط الذين سموا أنفسھم لينيين، بأن التاريخ يتبع المبادئ التي وضعھا ماركس ولينين. وليس فقط المعتقد بذاته مھما كان دوغمائيا،ً ھو الذي يخلق الذھنية الاستبدادية، ولكن أيضاً رفض التشكيك به في أي وقت من الأ وقات، من خلال الحؤول دون مناقشته في العلن .لذلك يمكن القول بأنه يوجد عرق استبدادي قوي في المجتمع اليھودي – الإسرائيلي، وفي شخصية يھود الشتات، الذين يعيشون "حياة يھودية " ، والمنظمين في تنظيمات يھودية صرفة. ومع ذلك، تطورت منذ قيام الدولة أيضا،ً استراتيجية إ سرائيلية كبرى لا تقوم على مبادئ " الأيديولوجية اليھودية " ، بل على اعتبارات استراتيجية أو امبريالية صرفة – ولقد قدم الجنرال ( احتياط) شلومو غازيت ( 2) ، الذي كان قائداً سابقاً للاستخبارات العسكرية، وصفاً رسمياً وشفافاً للمبادئ التي تحكم مثل ھذه الاستراتيجية.
فبحسب رأي غازيت
" لم تتغير مھمة إسرائيل الرئيسية قط [منذ أن ھوى الاتحاد السوفييتي ]وھي باقية على أھميتھا الحاسمة .فموقع إسرائيل الجغرافي في وسط الشرق الأوسط العربي – المسلم يجعل قَدرَ إسرائيل أن تكون الحارس الوفي للاستقرار في كامل البلدان المحيطة بھا .إن [دورھا]ھو حماية الأنظمة القائمة :لمنع عمليات التحول الراديكالية أو وقفھا، وعرقلة اتساع الحماسة الدينية الأصولية .ولھذه الغاية ستمنع إسرائيل حصول تغييرات ما وراء حدود إسرائيل، [ التي] ستعتبرھا تغييرات لا تُطاق، والى حد إحساسھا بأنھا مجبرة على استخدام كل قوتھا العسكرية من أجل منعھا أو اجتثاثھا". بكلام آخر، تھدف إسرائيل الى فرض الھيمنة على الدول الشرق أوسطية الأخرى .ولا حاجة للقول، بحسب غازيت، بأن لإسرائيل اھتماماً خيّراً باستقرار أنظمة الحكم العربية.فإسرائيل، برأي غازيت، بحمايتھا للأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، تؤدي خدمة حيوية " للدول المتقدمة صناعيا،ً والمھتمة جميعھا، اھتماماً شديدا،ً بضمان الاستقرار في الشرق الأوسط ".وھو يقول مجادلا،ً بأن أنظمة الحكم القائمة في المنطقة كان من شأنھا أن تنھار منذ وقت طويل لولا وجود إسرائيل، وأن ھذه الأنظمة باقية في الوجود فقط بسبب التھديدات الإسرائيلية .وقد تكون وجھة النظر ھذه وجھة نظر منافقة، ولكن على المرء في الوقت نفسه، أن يتذكر في مضامين من ھذا النوع، حكمة لارو ش – فوكو القائلة بأن " النفاق ھو الضريبة التي يدفعھا الخبث للفضيلة ".وإن استرداد الأر ض ما ھو إلا محاولة للتملص من دفع أي ضريبة من ھذا النوع. ولا حاجة للقول بأنني أعارض أيضا،ً أصلاً وفرعا،ً السياسات الإسرائيلية غير – الايديولوجية كما شرحھا غازيت بھذه الدرجة من الصحة والشفافية .وإنني أقرّ في الوقت نفسه، بأن أخطار سياسات بن – غوريون أو شارون، بحوافزھا " الأيديولوجية اليھودية" ، ھي أسوأ بكثير من السياسات الامبريالية مھما كانت اجرامية .كما أن نتائج السياسات التي تنتھجھا أنظمة حكم أخرى مدفوعة بحوافز ايديولوجية تشير الى الاتجاه نفسه .ولأن عنصراً مھماً من العناصر المؤلفة للسياسة الإسرائيلية يقوم على أسا س " الأيديولوجية اليھودية " ، فإن تحليلھا يصبح أمراً لا بد منه سياسيا .ًكما أن ھذه الأيديولوجية تقوم بدورھا، على مواقف اليھودية التاريخية تجاه الأغيار، وھذه المواقف ھي أحد المواضيع الرئيسية لھذا الكتاب، فھي تؤثر بالضرورة، على العديد من اليھود، عن وعي أو بدون وعي .ومھمتنا ھنا أن نبحث في اليھودية التاريخية بالمصطلحات الواقعية. إن تأثير الايديولوجية اليھودية على العديد من اليھود سيكون أقوى ما دامت محجوبة أكثر عن المناقشة العامة .والمأمول ھو أن يقود نقا ش من ھذا النوع النا س الى اتخاذ موقف من الشوفينية اليھودية ومن الازدراء الذي يبديه عدد كبير من اليھود تجاه الأغيار ( الذي سنوثقه أدناه ) ، يكون مماثلاً للموقف المتخذ عادة، من معاداة السامية والأشكال الأخرى كافة لكراھية الغير والشوفينية والعنصرية .كما يُفترض، عن حق، بأن الفضح الكامل وحده، ليس لمعاداة السامية فحسب، بل لجذورھا التاريخية أيضا،ً يمكنه أن يكون الأسا س للقتال ضدھا، كذلك الأمر، يكون الأسا س للنضال ضد ھذه الظواھر . ويصح ذلك بصفة خاصة، اليوم، عندما نجد أن التأثير السياسي للشوفينية اليھودية والتعصب الديني، وعلى عكس الوضع الذي كان سائداً منذ خمسين عاماً أو ستين، ھو تأثير أكبر بكثير من تأثير معادا ة السامية .ولكن ھناك اعتبار آخر مھم أيضا،ً فأنا أؤمن بقوة، بأنه لا يمكن محاربة الشوفينية اليھودية ومعاداة السامية إلا في وقت واحد.
اليوتوبيا المغلقة؟
إن الخطر الفعلي للسياسات الإسرائيلية القائمة على الأيديولوجية اليھودية سيبقى أكبر من خطر السياسات القا ئمة على الاعتبارات الاستراتيجية الصرفة، حتى يجري تبني مثل ھذه المواقف تبنياً واسع النطاق .والفارق بين ھذين النوعين من السياسات، فارق عبرّ عنه تعبيراً جيداً ھيو تريفور – روبر في بحث له بعنوان " السير توما س مور واليوتوبيا" ( 3) ، وقد أطلق عليھما صفتي الأفلاطونية والميكانيكية. لقد اعتذر ميكافيللي، على الأقل، عن الطرق التي اعتقد بأنھا ضرورية في السياسة . ولقد أسف على ضرورة العنف والاحتيال، ولم يطلق عليھما أي اسم آخر .ولكن أفلاطون ومور برراھما، شرط استخدامھما للمحافظة على جمھوريتيھما الفاضلتين. وعلى نحو مماثل، فإن المؤمنين الحقيقيين بھذه اليوتوبيا المسماة " الدولة اليھودية " ، والتي ستجتھد لإحراز الحدود التوراتية، ھم أكثر خطراً من الاستراتيجيين الكبار، من أمثال غازيت، لأن سياساتھم تبُررّ، إن عن طريق استخدام الدين أو ما ھو أسوأ، أو عن طريق استخدام المبادئ الدينية المعُلمنة التي تحتفظ بشرعية مطلقة .فبينما يرى غازيت، على الأقل، حاجة للمجادلة بأن التحكم الإسرائيلي يفيد أنظمة الحكم العربي، لم يدّع بن – غوريون بأن إعادة إنشاء مملكة داوود وسليمان ستفيد أحداً غير الدولة اليھودية. وينبغي ألا يبدو الأمر غريباً إذا استخدمنا المفاھيم الأفلاطونية لتحليل السياسات الإسرائيلية القائمة على الأيديولوجية اليھودية .فقد تنبّه بضعة علماء، وكان أھمھم موشيه ھدا س، الذي ادعى بأن أسس " اليھودية الكلاسيكية" ، أي اليھودية كما أرساھا حكماء التلمود، أسس قائمة على التأثيرات الأفلاطونية، وخصوصاً على صور ة اسبارطة كما تظھر عن أفلاطون ( 4).وبحسب ھدا س، فإن إحدى السمات الحاسمة للنظام السياسي الأفلاطوني، والتي تبنتھا اليھودية في وقت مبكر جداً يعود الى عھد
63 ق .م.) ، كانت "ضرورة أن تكون كل مرحلة من مراحل السلوك -المكابيين ( 142
الإنساني خاضعة للتصديقات الدينية التي، في الواقع، ينبغي للحاكم أن يديرھا إدارة ماھرة".ولا يمكن أن يكون ھناك تعريف ل " اليھودية الكلاسيكية "وللطرق الماھرة التي أدارھا بھا الحاخامات، أفضل من ھذا التعريف الأفلاطوني .وعلى وجه الخصو ص، فقد ادعى ھدا س بأن اليھودية تبنت ما لخصه أفلاطون بنفسه ك " أھداف لبرنامجه " ، في الفقرة التالية المعروفة: الأمر الأساسي ھو أن أي شخص، رجلاً كان أم امرأة، يجب ألا يكون أبدا،ً من دون ضابط معين فوقه، وأن أي شخص كان يجب ألا يكتسب العادة الذھنية باتخاذ أي خطوة، بالجد أو بالھزل، على مسؤوليته الفردية .فعليه أن يعيش دائما،ً في السلم كما في الحرب، بعينيه نصب ضابطه الأعلى . ..أي باختصار، ينبغي لنا أن ندرّب الذھن حتى (Law 942 ab) . على ألا يُفكر بالعمل كفرد أو ألا يعرف كيف يعمل كفرد وإذا استبدلنا كلمة حاخام بكلمة ضابط سيكون لدينا صورة كاملة لليھودية الكلاسيكية . وھذه اليھودية ا لكلاسيكية ما زالت تؤثر تأثيراً عميقاً في المجتمع اليھودي – الإسرائيلي، وتعيّن الى حد بعيد، السياسات الإسرائيلية.
The Openوھذه الفقرة المقتبسة أعلاه، ھي الفقرة التي اختارھا كارل بوبر في مؤلفه باعتبارھا تصف ماھية " المجتمع المغلق".فاليھودية ،Society and Its Enemies التاريخية وخليفتاھا، الارثوذوكسية والصھيونية، ھم الأعداء الألداء لمفھوم المجتمع المفتوح كما ھو مطبق في إسرائيل.فالدولة اليھودية، سواء أكانت قائمة على ايديولوجيتھا اليھودية الحالية، أم أصبحت حتى أكثر يھودية في طابعھا مما ھي عليه الآن، مستندة الى مبادئ الارثوذوكسية اليھودية، لا يمكنھا أبدا،ً أن تضم مجتمعاً مفتوحاً.وھناك خياران اثنان أمام المجتمع اليھودي – الإسرائيلي، فھو يستطيع أن يصبح غيتو مولعاً بالقتال ومغلقاً تماما،ً أي اسبارطة يھودية، مدعوماً بكدح عبيد الأرض العرب، يحافظ على وجوده من خلال نفوذ ه على المؤسسة السياسية الأمريكية، وتھديداته باستخدام قوته النووية، أو يمكنه المحاولة ليصبح مجتمعاً مفتوحا .ًويعتمد الخيار الثاني على الفحص الأمين لماضيه اليھودي، وعلى الاعتراف بوجود الشوفينية اليھودية والاقتصادية اليھودية، وعلى الفحص الأمين لمواقف اليھودية من غير اليھود.
الحواشي
Walter Laquer, “History Of Zionism”, Schoken Publishers, Tel ، 1) بالعبرية
Aviv, 1974
. 2) أنظر يديعون أحرونوت، 27 نيسان، 1992
Hugh Trevor – Roper “Renaissance Essays”, Fontana Press, 3) في
London , 1985
Moses Hadas, “Hellenistic Culture, Fusion and Diffusion” Columbia 4) أنظر
وخصوصاً الفصل السابع والفصل ،University Press, New York, 1959
العشرين.
|