|
Criticism
رابطة ، من طق طق حتى سلام عليكم، وروابط
لم تمض سنوات معدودة على تأسيس رابطة الكتاب في الأردن عام 1974 حتى قامت السلطات الأردنية العرفية بحلها وتأسيس اتحاد الكتاب الأردنيين عوضا عنها الذي ما زال حيا يرزق يتعايش معها بعد عودتها واختراقها. عند التأسيس، للرابطة، لابد وأن نلحظ أن رابطة مماثلة أقدم منها تواجدت وتأسست في دولة عربية أخرى هي الكويت ذات الثقل الفلسطيني/الأردني النوعي على أراضيها. لكن السلطات الكويتية المنفتحة على العرب وقضاياهم منذ استقلالها عام 1961 وحتى الغزو الصدامي لأراضيها لم تكن تمانع في وجود فرع لاتحاد فلسطيني
Jerash Festival 2007 (No.25) autofailure حركة إبداع:نريده أن يفشل من تلقاء نفسه
ردا على كثير من الاستفسارات حول موقف حركة إبداع من التلفيق الذي تقوم به الصحف الأردنية حول نجاحات موهومة لمهرجان جرش الذي يقاطعه حتى الشعراء الأردنيين المشاركين به وتقاطعه معظم الصحف غير الرسمية أو شبه الرسمية والناس الذين يرزحون تحت طائلة الفقر والجوع قال ممثل حركة إبداع الرابض في قلب فعاليات ما يسمى بالشعر المنثور أو النثر المشعور أن الأمر لا يستدعي إصدار أية بيانات ثقافية أو سياسية لأن المهرجان يلفظ أنفاسه حاله حال مهرجان أيام عمان المسرحية وأن بعض المستفيدين من هكذا فعاليات هم الذين يكتبون
محنة الغراب
الإسم : الدكتور نادر القنة البريد الإلكتروني : dr-n-alqunneh@maktoob.com الدولة / المدينة : الكويت عنوان التعليق : طليعي في رؤياك00 متفرد في كبريائك التعليق : صديقي العزيز أنت دائما هكذا سيد نفسك 0 وسيد موقفك 00 رافضا لأملاءات الأخرين 0 لم تنكس رأسك لدولار أو وظيفة ، ولم تقدم تنازلا لقيادة أو تنظيم 00 ولم تستسلم لجوع ، ولم تغادر نفسك الفلسطينية ، ولم تبع موروثك00 فكيف ؛ اذن لا نحبك ولا نعتز بك 00 وأنت البقية الباقية من المفكرين المناضلين الذين رفضوا المساومة على مبادئهم ومواقفهم00
أنت الزائر رقم:
تنشر حركة إبداع ملخصا لكلمة الناقد العربي تيسير نظمي في مؤتمر باريس
الذي يعقد في فندق غوين بالتزامن مع انتخابات الهيئة الإدارية لرابطة نقاد الأدب الدولية (A.I.C.L)
ويحضره نقاد كبار من مختلف دول العالم ويشارك به ناقد عربي لأول مرة منذ تأسيس الرابطة الدولية عام 1969 وتسجيلها في قائمة المنظمات غير الحكومية في اليونيسكو عام 1971، وفيما يلي الملخص للكلمة/النص باللغات: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والبرتغالية والروسية. وستنشر حركة إبداع الترجمات باللغات الباقية مثل: الصينية والتركية والفارسية والكورية واليابانية في وقت لاحق
وليمة وحرير وعش عصافير(ص119 من كتاب:الأردن ومبدعيه)
عبدالستار ناصر / قاص عراقي مقيم في عمان
كل أديب في العالم يتمني لو أنه كتب عملاً سبقه إليه كاتب آخر، فهذا أناتول فرانس كان يرجو لو أنه ( هو) من كتب رواية ( الدون كيخوته) لثربانتس، و جان بول سارتر كان يتمني لو أنه كتب إلياذة هوميروس، و حنا مينه كان يعشق ( موبي ديك) و تمني أن يكون مؤلفها، و نجيب محفوظ في أول حوار معه كان يتمني لو أنه ( هو) الذي كتب ألف ليلة و ليلة، و هكذا مع أسماء و قامات أدبية معروفة، تراها تحلم لو أنها هي التي أبدعت نصوص قامات عملاقة سبقتها إلي ذاك المنجز العظيم. و يأخذني الظن إلي أن تيسير نظمي كان يتمني بدوره لو أنه ( إدغار ألن بو) أو ( فرانز كافكا) حتي يتمكن من الغوص عميقاً في لجة الكوابيس و أن يدخل العالم السفلي للكائنات البشرية المسحوقة و المهمشة و المنسية و التي ترزح تحت ضغوط نفسية و لا صوت لها غير الأنين، و برغم أن عنوان مجموعته القصصية ( وليمة و حرير و عش عصافير) و هو عنوان يوحي بجماليات الدنيا و عصافيرها، إلا أن القصص جميعها تحكي عن أشياء سوداء لا حرير بينها و لا زقزقة عصافير فيها، بل هو عالم يغرق في البؤس و اليأس و اللعنات من الصعب أن تحسم أمرك بين أشواكه و مساميره و صخوره، إذ لا وقت للتأمل أو ركوب طوق النجاة في زحمة القهر الذي يطارد أبطاله في كل جزء من المكان الذي هو فيه. هناك مرارة علي طول الخط ، لا مكان للسعادة في عالم تيسير نظمي ، العالم مزحوم بالأخطاء و ليس من ثغرة نحو النور، يأس مطبق و خوف عارم مثل أمواج غاضبة تلتهم كل شيء في طريقها، و الإنسان في قصصه مأخوذ و مجذوب و غير مرغوب فيه، و البطل في هذه القصص دون أية بطولة ، ممسوخ ، مرعوب ، مطارد ، يكاد من ثقل همومه أن يسقط أرضاً حتي تكاد( أنت القارئ) أن تسأل نفسك: من أين يأتي هذا الرعب الذي يمسك برقاب شخوصه؟ أين تحيا تلك الكائنات و علي أي أمل تعيش؟ يقول خليل السواحري: " عوالم هذه القصص تشبه إلي حد كبير عوالم كافكا ، حيث يتحول المعقول إلي لا معقول و تغدو اللحظة النفسية عبئاً كبيراً علي من يعيها." ***
في قصة " الأسم الأول له.... الاسم الثاني له" بطل الحكاية يبحث عن صديق قديم ، هو البحث عما بقي في الدنيا من ذكريات جميلة، لكن بحثه يطول في الشوارع و يمتد في الأزقة حتي يصل عمارة من أربعة طوابق، اسم صديقه محمود أبو الليل ( صديق الأيام العصيبة) الذي يستجير به و لا يرّد له أيما طلب، أو هكذا كان كما يتذكره الآن، و بعد عناء و استغراب تفتح الباب زوجة صديقه الأثير، لكنها تقول: ( لا نعرف شخصاً بهذا الاسم) و هو علي يقين أن هذا البيت هو بيت صاحبه القديم صديق أيامه الصعبة، بل يسمع صوته من وراء الباب و هو يسأل عمن جاء يطرق الباب! ليس من حنين و لا ذكريات و لا ذاكرة، العالم أصابه عطب في الصميم، علماً أن اختياره اسم بطل القصة ( أبو غضب) جاء طريفاً و علي مقاس اللوعة. في ( أيام المستنقع) يقع الكاتب في مطب القصة- القصيدة، حيث القافية و الوزن أحياناً يطغيان علي سياق الموضوع، خذ مثلاً قوله: - كل ما هو في البلدان من غدر الخلان و حتي الحوار يقع في المطب نفسه إذا ما سمعنا صوت الضابط علي الصفحة 8 و هو يصرخ بالموقوف: انزع حزامك و اعطني ربطة عنقك و فتش بنفسك هندامك، ودّع أحبابك و كل خلانك، لسانك هو حصانك، و عليك أن تفكر من صانك و من خانك، هيا أمامي، فلا تظن أنني سأمشي طوال الطريق قدّامك. هذه الطريقة في الكتابة، كما نعلم، فات زمانها، و قد كانت سائدة في الخمسينات و ما قبلها يلتذ كتّابنا بالسجع و الطباق و بقية فنون اللغة و يشعر البعض منهم بالإطراء إذا قيل بأن أسلوبه شاعري، مع أن لغة القصة تختلف تماماً عن لغة الشعر. لاحظ معي عناوين قصصه، و بعضها أطول مما يجب، فهذه قصة ( النمور في اليوم الـ23 تشرب ماء العدس) و هي تعتمد علي قصائد محمود درويش و سميح القاسم و أحمد دحبور، مع أن ( الطبخة تفسد كلما أكثرنا من طباخيها) كما يقول هو نفسه في أول السطور، كما أنه جاء علي ذكر أرسطو و زكريا تامر و الأوديسة مع منتخبات من أقوال مأثورة، ثم إشارة صريحة إلي أدونيس في قصيدته ( مفرد بصيغة الجمع) إلي جانب الضجر و اليأس و الإضراب عن الطعام و ( الثورات التي يفكر بها دهاة القوم و ينفذها الشجعان و يستفيد منها الانتهازيون) و حذار من جوعي و من غضبي كما يكرر محمود درويش طبعاً. أما في قصة ( آخر النمور) فيستمر مع إحساسه بسقوط الحياة و يري في الإنسان قوة مسلوبة، مع إحباط بلا حدود، و كل صحراء يمشيها وراءها صحراء خلف صحراء و ما وراء الصحراء سراب من الجهات كلها، لكنه يرجع إلي الشعر و السجع مرة ثانية ليقول علي الصفحة31: " و كان واحداً وأحد، لم ير في زماننا له أماً و لا ولد، و كان نمراً و كان البلد، أسلمني روحه و أناخ الجسد." كما يستجير بالقرن التاسع الميلادي فيختار كلاماً قاله علي بن محمد شعراً: سلام عليك يا خير منزل خرجنا و خلفناه غير ذميم فان تكن الأيام أحدثن فرقة فمن ذا الذي من ريبهن سليم تشعر أن تيسير نظمي يريد أن يسكب معلوماته و قراءته في كل قصة يكتبها، مع أن القصة القصيرة ( حصرياً ) لا شأن لها بالمعلومات أو قراءات مبدعها، و قد يتحقق ذلك في الرواية نوعاً ما. ***
*** في قصة ( البحر لا ينام في غرفته أحياناً ) حديث شّيق عن البحر، فهنا بحر ميت و هناك بحر متمرد و بحر ضائع بين الصخور و بحر هائج، ثم ينتقل من البحر إلي برج ( ايفل) الذي تري من أعلاه كل شيء إلاّ بلاد ( الجزائر) التي احتلتها فرنسا في زمن غابر، البحر يعوي، البحر ينوح علي سمكة مقتولة، و لهذا تراه يجرف و يكنس الجرائد و المجلات و البيانات الحكومية، البحر هنا بطل القصة، و هي قصة تشهق بالجزع و الخراب و الحسرة علي حفنة من الخسائر التي تراها البحار و لا يراها البشر، تري هل أراد أن يقول كلاما كهذا؟ ذلك أن إرادة البحر فوق كل الحيتان و أسماك القرش و الغواصات النووية، و أكبر من تلوث المدن و أوساخ العواصم، لا تعلوه سوي نوارس الحياة السابحة في فضاء الحرية و الباحثة عن الحياة في الحياة ذاتها، صفحة 17. يقول إن البحر الأبيض هائج، و بحر يافا متمرد، و بحر حيفا ممتد حتي الكرمل، و بحر غزة ضائع في المخيمات ، و بحر القدس يفتش بين الصخور عن بقايا معابد و كهنة تائهين، و للبحر بحر يؤويه...و لا يمكن طبعاً ( حبس ) البحر في زنزانة! و من قصصه المتميزة ( بيت الفراشة) عن بيت يسكنه رجل أعزب تدخله فراشة، البيت محض فوضي عارمة، منافض سجائر مطفأة، كتب غارقة بالغبار، قنينة عطر فارغة من المعني، قداحة فارغة من الغاز، مروحة معطوبة، موسيقي عالقة مثل العليق، إلي جانب صور معلقة علي الجدران لا يراها أحد، وروزمانة لأيام ميتة، و الفراشة لا تعلم أي شيء عن المحاكم و القضاة و فواتير الكهرباء و الماء و التلفون، فكيف و لماذا دخلت بيتاً كهذا و هي التي تبحث عادة عن الضوء و النور و النار و كل ما يلمع تحت عينيها؟ تلك كانت إشارة علي نقاء هذا الرجل الوحيد المعزول عن متع الدنيا، فقد رأت الفراشة ما في داخل هذا الإنسان و لم تعبأ بالغبار و الدخان و السواد و بقية الخرائب الصغيرة التي يزدحم بها البيت. يقول الناشر عن قصص هذه المجموعة: " إنها تضعك في التفاصيل المرّوعة التي نمر بها جميعاً دون أن نلتقطها أو نلتفت إليها، و تلك هي مهمة القاص المبدع الذي تتحول اللحظة علي يديه إلي سرد قصصي مدهش، مفعم بالغرابة في سياق لغوي طازج." *** تيسير نظمي نشر أول قصة له عام 1972 لكنه علي ما يبدو لم يلتفت إلي نفسه و قصصه، و كان عليه أن يكتب أكثر حتي يأخذ حصته و نصيبه من هذا الفن الصعب، لكن كتاباته في السياسة أخذت الكثير من جرف القصة القصيرة، و يكفي أن نذكر بعض أساتذته حتي نعرف علي يد من تتلمذ تيسير، فهذا علي الراعي، و طه محمود طه، و سليمان الشطي و غيرهم، مما يشير إلي نوع قراءته و اهتماماته في ظل أسماء معروفة تعّلم منها الكثير، و يضاف إليهم الروائي إسماعيل فهد إسماعيل. كما انه نشر مبكراً في مجلة ( الآداب) البيروتية و ( أفكار) الأردنية، و كذلك في مجلة ( الكرمل) و (كتابات) و ( عمان) وغيرها. يقول عنه وليد أبو بكر: " إنه أحد الكتاب المهمين علي المستوي العربي الذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها و ذلك لأسباب سياسية." ***
*** قصة ( سيدة الكون) تقترب من الخيال العلمي أو الفانتازيا، حيث يشاهد بطلها العالم كله و هو جالس في غرفته، يري عن طريق كاميرا تعمل بالطاقة النووية أزقة نيويورك حيث الجياع يقتاتون طعامهم من القمامة، كما يري ما يحدث في إحدي الشقق من أفعال مشينة ( غير مسموح بها) بل تصل به الكاميرا النووية إلي داخل السجون و المعتقلات العربية، أما أغرب ما رآه فهو اختفاء كوكب الأرض تماماً ، و لا أحد يدري طبعاً أين كان يجلس بطل القصة و في أية مجرة يعيش، المهم هو أنه لم يقل في نهاية القصة( إنه كان يحلم) كما يفعل بقية القصاصين أمام أمر غريب غير معقول كهذا. أما القصة التي أخذت عنوان الكتاب، فهي تحكي عن الدود الذي ينتظر جثة البطل حتي تبدأ الوليمة، دود تحت الأرض، و دود فوق الأرض، عن الحياة التي نهايتها الموت حتماً، يعني بذلك أن نهايتها وليمة كبري للدود و هو يدخل الجلد و المسامات حتي ينتهي كل شيء، و لا ينسي الكاتب هذه المرة أيضاً أن يذكر أرنست همنغواي و ناظم حكمت. لكنه في قصة ( أصابع منتصف الليل) يكتب لنا قصة فكهة طريفة عن رجل علي علاقة بامرأة تتصل به تليفونياً علي أنها من شركة التأمين لئلا تشك به زوجته، لكنه بعد إصابته و بتر أصابعه ( في المنجرة ) حيث كان يعمل، ينسي عنوان عشيقته، كما أنه لا يستطيع تدوير قرص الهاتف، و في الوقت نفسه لا يمكنه أن يسأل زوجته عن رقم تليفون شركة التأمين ( المتفق عليه بينه و بين عشيقته) و فوق ذلك كله كان قد تهيأ للذهاب إليها و لم يخطر علي باله أنه ( سوف ينسي كل شيء دفعة واحدة) و هي قصة تختلف عن تلك القصص السوداوية التي شملت كتابه القصصي الصغير (74 صفحة فقط). و تبقي قصة ( شعرها طويل حتي الفجر) و هي انثيالات حارقة عن حب جارف، تقترب فيه القصة من أدب الرسائل ( شعري يهفهف بالكلام) و أحزان كثيفة موجعة و مناجاة ملتهبة( لا تعش أبد الدهر حزيناً مثل عراقي)... مع كومة إرتعاشات و آهات و نجوي و حب و سلوي و أصابع تلعب في ظلام فارغ، حيث لا أحد هناك في الجانب الثاني، و قد رأيت أن أغلب أبطال تيسير نظمي يدخنون، يبدو من الصعب أن يكتب قصة لا يدخن فيها أبطاله، أنظر ما يقوله علي الصفحات19 ، 23، 38، 47: - متحرق لسيجارة. - بحاجة للتدخين و النقود. - الركن المسود عند السقف لإفراطه في التدخين. - منافض لسجائر مطفأة. - و هو الآن هادئ مسترخ يدخن سيجارته. لكنه من وراء الدخان الذي أفرط فيه، كتب القصة القصيرة التي يريدها، و نام ملء جفونه عن شواردها، و ربما يسهر بعد ذلك من يسأل عن شروطها و يحتكم إلي معناها كما يقول المتنبي. ـــــــــــــــــــــــــــــــ * وليمة و حرير و عش عصافير. قصص قصيرة .تيسير نظمي . دار الكرمل للنشر والتوزيع . عمان . الأردن . عام 2004
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2080 --- Date 9 / 4 /2005
جريدة (الزمان) --- العدد 2080 --- التاريخ 9 / 4 /2005
AZP09 STNA
كاتب المهمة الصعبة يجعلها ولا أسهل
* تيسير نظمي
إلى أمجد ناصر مع التحية
لا بد من الاتفاق والتوافق مع عقل القارئ على أن العقد الأخير من نهاية القرن العشرين أفرز لنا نوعاً جديداً من المثقفين والكتاب والفنانين الأنسب تسميتهم بمثقفي المهرجانات، خاصة أولئك الذين أبدوا مطواعيتهم واستجابتهم التامة لأن تتكرر أسماؤهم في كل دورة وبعضهم بات متخصصاً في السفر والتنقل بين أكثر من مهرجان. صحيح أن قلة منهم ما تزال متماسكة وتعبر عن مواقف منسجمة ثقافياً وسياسياً سواء تم دعوتها أم لا، إلا أن موضوع هذه المقالة يتعلق بالأكثرية وتدني مستويات طرحها ثقافياً وإنسانياً بحيث لم يعد من قشرة الادعاء الثقافي ما يغطي على جوهرها، وتجربة مهرجان جرش للثقافة والفنون، خاصة العام الماضي، كشفت لنا الكثير في سنواتها الأخيرة. كي تتضح لنا الصورة، يحسن التركيز على أحدهم أنموذجاً ليكشف للقارئ حجم المفارقات وبالتالي حجم التواطؤ غير المعلن بين من يحددون الأسماء من ناحية – الداعين- والتقاط الإشارة غير المعلن من قبل المثقفين – المدعوين-
الشاب الذي بحكم النشأة والقراءة والانتماء الاجتماعي والاحتكاك بحركة ثقافية وطنية حملت معها في ظل الأحكام العرفية بصمات العمل السري سلبياتها وإيجابياتها أدهشنا ذات يوم في صفحات (الوطن) الكويتية نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات بشعره. قد يكون فاجأ غير الناقد الراصد لتجربته بانتهائه في مهرجان جرش كشاعر، فالناقد الجاد لن يفاجأ بمن غادر مدينة متواضعة شمال شرق الأردن وذاكرة الأمكنة فيها من طرقات وبيوت وناس وجسور وانتهى به المطاف منذ سنوات في لندن، خاصة إذا ما كتب الصحفي فيه كلاماً عن أحد جسور لندن ولكنه –أي الكلام- جف فيه الشعر والشاعر، بالطبع يأخذ متطوع آخر بالدراسة والنقد والكتابة الصحفية من المدعويين زمام الإنقاذ وتوفير قارب النجاة على عاتقه لزميله المشارك الآخر ضمن نفس المهرجان، ولأسباب واضحة ومكشوفة يغامر الأخير حتى باسمه ومصداقيته عندما يضع في الجلسات النقدية اسم ذلك الشاعر، وهو مدير تحرير الصحيفة اللندنية التي يكتب لها الأخير المتطوع من باريس – مع اسم محمود درويش- دون أن يرمش له جفن وفي مسافة زمنية لم تتجاوز بضعة شهور من الحرب على العراق ومن الاحتلال في ندوة كان عنوانها لا يسمي الأشياء والوقائع بمسمياتها (القصيدة والحدث) وكل من لديه اعتراض آنذاك، أي قبل سنة تقريباً ، ما كان عليه إلا أن يشرب من البحر الميت أوليغادر فندق الخمسة نجوم مكان إقامة الشعراء الذين يسمون في المهرجانات الثقافية احتلال بلد عربي – مجرد حدث !- ويسمون فواتير الدعوة والإقامة (قصيدة) وبمجرد انتهاء فترة الإقامة وتبادل الكتب المطبوعة الفاخرة وما يسمى شعراً في دواوين مهداة بعضها لمن لم يعودوا محررين في الصفحات الثقافية لا الكويتية ولا الأردنية بشيء غير قليل من عبارات الانتقام والتشفي ورد الصاع صاعين تعبيراً عن عقد نقص قديمة ما تزال راسخة، بمجرد عودة هؤلاء لمعاقل ومرابط الحرية والديمقراطية في لندن وباريس يتقمصون شكلاً مختلفاً من المواقف والكتابات يتناسب مع قناعات وصولات وجولات رؤساء تحريرهم ورؤساء عملهم فكيف سيكون الأمر لو عرف القارئ مثلاً أن رئيس التحرير وصاحب العمل هو السيد عبد الباري عطوان، مثلاً؟ وأن المثقفين الاثنين المعنيين هنا من كتاب جريدته البارزين، مثلاً؟ فأين يكمن الصدق والمصداقية في موقف المثقف ، خاصة إذا ما اشتهر بإسم وإذا ما عرف لدى عشيرته ومضارب بني قومه بإسم آخر غير المستعار، وإذا ما احتل موقعاً نضالياً في لندن يخص القضايا الكبرى ليهاجم من ذات الموقع كّتاب وأدب وثقافة تلك القضية الكبرى؟ ولتكن هذه المرة (فلسطين) لأن السيد رئيس تحريره متخصص في قضية(صدام حسين) بعد أن باتت قضايا العراق بيد أبنائه جميعاً وبيد الشعب العراقي أولاً وقبل كل شيء . ففي أحد أعداد الصحيفة اللندنية المعنية هنا وعلى صفحتها الأخيرة يكتب الرجل الثاني إن لم يكن الأول –لإنشغال رئيس تحريره مع الفضائيات – عن مهمة صعبة أوكلت إليه فضلاً عن كل العرب إعلاناً صريحاً عن فوزه الشخصي بالتطبيع الصريح والمكشوف مع إسرائيل ولا يسمي مهمته تلك بالتطبيع بل أنها أصبحت في (الهواء الطلق) مجرد تكليف:(تكليفي بهذا العمل هو الذي كشف لي هذه الحقيقة) ثم يسهب من رأس الصفحة حتى كلام النجوم في أسفلها والأبراج والحظوظ في تقديم شرح كيف أن الأدب والثقافة الفلسطينيتين لم يكتشفا الحقيقة التي اكتشفها بعبقريته الفذة وقلة مطالعته فماذا عساها
أن تكون الحقيقة؟ انظروا ماذا كتب بقلمه وفي جريدته
(إن أول نص قرأته عن الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال كان للمفارقة إسرائيلياً إنه كتاب – الزمن الأصفر – للكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان..... إنه العمل الذي تنبأ باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى.)
- انتهى الاقتطاف- حقاً إنه زمن أصفر ذلك الذي يجعل ابن مدينة (المفرق) ينسى ذاكرة مدينته وذاكرة عاصمته ليكتب لنا عن جسور لندن ما يسوغ ومن موقعه الوظيفي أيضاً دعوته لوطنه مع بقية (الضيوف)! العرب، مع العلم أن المفرق وعمان ملأى بأبناء القضية الفلسطينية والقضية العراقية، ولأن لا وقت لديه للقراءة اكتشف الحقيقة، يا للهول! ولنتابع مكتشفاته:( كانت هناك مقالات وكتابات متفرقة هنا وهناك ولكن لم يكن هناك سرد تفصيلي ومتصل يمسك بعصب اللحظة) فلنزف البشرى إذن لوزير الثقافة الفلسطيني الروائي المبدع يحيى يخلف وللشهيد ناجي العلي وغسان كنفاني وسميرة عزام وأميل حبيبي وراشد حسين ومريديهم لأنهم كلهم رحلوا ولمحمود درويش ، بلطف طبعاً لئلا يصاب بنوبة قلبية أو بضحكة هستيرية، فقد جاء الوقت الذي يولد فيه كاتب عربي عقد العزم هو لا غير على الإمساك بعصب اللحظة! ومن خلال (المهمة الصعبة) وما هي تلك المهمة يا ترى؟ إنها بكل بساطة فن الريبورتاج الأدبي حسب مواصفات الجهة المكلفة ألا وهي مجلة (ليتر) الألمانية. بالطبع الكاتب يوضح أنها مجلة أدبية ألمانية- كي يتجنب السياسة !-، دون أن يحترم ثقافة القارئ الملم باللغات الأجنبية، ودون أن يتذكر المثل الشعبي الدارج( المكتوب مقروء من عنوانه) وفي جل اللغات الأجنبية معروف معنى كلمة أدب أو آداب لكن مقالة أحد مثقفي المهرجانات لا تتوقف عند حدود فضيحة الذات وحسب، بل أن الشاعر افتضحت ثقافته تماماً بذكره للتالي:
(الفلسطينيون أقل من كتبوا عن حياتهم اليومية تحت الاحتلال، غير الفلسطينيين هم الذين تقريباً تولوا هذه المهمة – يقصد ديفيد غروسمان طبعاً – ولم أنتبه إلى هذه الحقيقة المفزعة إلا عندما اختارتني مجلة – ليتر- الأدبية الألمانية عضواً في لجنة تحكيم جائزتها "يوليسس" الخاصة بالريبورتاج الأدبي، فصار لزاماً عليّ بصفتي العربي الوحيد في لجنة تحكيم دولية مكونة من اثني عشر عضواً أن أقدم نصاً عربياً تتوافر فيه شروط الريبورتاج الأدبي)- انتهى الاقتطاف- وبالطبع يكيل الكاتب مدائح لتلك المجلة دون أن يفهمنا أنه يفهم تماماً مقصد ودلالات اسم الجائزة ودون أن يتطرق للكاتب الأيرلندي جيمس جويس كاتب رواية(يوليسس)
ودون أن يتطرق للمترجم المصري الذي نقلها للعربية الدكتور طه محمود طه المختص الوحيد في الشرق الأوسط بأدب جويس، وهو من مصر أي حقاً العربي الوحيد ودون أن يحسب حساب أن ثمة كاتب فلسطيني وليس إسرائيلياً ومن تلامذة صاحب الاختصاص الأول البروفيسور المصري ،الذي قرأ جويس بلغته تارة وبالترجمة العربية تارة ومقيم في عمان والذي حجب عنه الكاتب الشاعر مكافأة مقالاته في ذات الجريدة ومنعه من النشر فيها إمعاناً في إهداء غير بريء( علك تتذكر أيام قبرص!) هو الذي سيرد عليه من عمان أو المفرق لا فرق ليذكّره بأن رواية (خربة خزعة) ليزهار سميلانسكي تنبأت قبل (الزمن الأصفر) بانتفاضات وليس بانتفاضة واحدة، وأن غسان كنفاني في قصة قصيرة واحدة (كان يومذاك طفلاً) لم يتنبأ وحسب بل رسم معالم مستقبل شعبه بسؤاله الرائع(لماذا لم يدقوا جدران الخزان) إلى غير ذلك الكثير ولكن انشغالات الصحافة وتعلم اللغة الإنجليزية ومغادرة بيروت إلى قبرص ومغادرة قبرص إلى لندن ومن ثم الذهاب والإياب للأصحاب والأحباب في المهرجانات كل ذلك ليس عذراً لمدير تحرير جريدة لندنية أن لا يقرأ وإذا قرأ لا يصل إلى دلالات ما يقرأ، وإذا توصل لبعض الدلالات ولو في أحاديث وثرثرات المثقفين وأدعياء الثقافة أنكر وتعامى عن كل ما أدرك، فهنالك أيضاً عبارات مكتوبة لا تتناسب مع طلاب السنة الأولى في الجامعات مثل: (لكن ثنائية الشعر والقص ظلت قفصاً حديدياً يحبس إبداعناالأدبي) أي شاعر أو قاص أو ناقد أو حتى صحفي مبتدئ يكتب مثل هذا الإقرار على نفسه ولا يستشف أنه لم يقرأ قصصاً منذ السبعينات تحمل من الشعر أجمل رؤاه ومن القصة
أفضل حبكاتها وحواراتها وبنيتها وإذا كان الكاتب لا يقرأ سوى أدباً رديئاً فلماذا
يحمل كتّاب فلسطين المسؤولية ولا ينتقي منهم سوى المشهورين أو المعروفين بعلاقات
خاصة معه أو مع جريدته؟ بل ويتمادى بوصف نتاجهم الذي هو جزء من الثقافة الفلسطينية
والإبداع الفلسطيني بأنه:)مدونات) أو(سرد قصصي) أو(مدونات العائدين( ؟ مؤسف بالطبع الإنجرار للرد على كل ما جاء لأن الأساس في هذه المقالة أن ننتقي واحداً من مثقفي المهرجانات كي نتعرف على الغالبية. وليس هذا سوى نموذج سهّل لنا وللقارئ المهمة "الصعبة!" بنفسه لنكتشف الحقد والتعامي وارتداء الأقنعة واحتلال مواقع الغير النضالية وادعاء الثقافة والشعر والنقد معاً ومن ثم التعالي على قراء جريدته بأنه العربي الوحيد الذي تم تكليفه بـ)المهمة الصعبة لكنها لا هي صعبة ولا ما يحزنون، فكل ما في الأمر أن المهمة هي الذهاب إلى إسرائيل والكتابة بالنيابة عن الفلسطينيين لأنهم لا يعرفون بعد(الريبورتاج الأدبي (أو ليس لديهم الوقت لمثل هذا النوع من المهرجانات والجوائز حتى لو كانت لجنة التحكيم مؤلفة من كل زعماء العالم والحكام العرب
وبحضور كوفي عنان بصفته الدولية غير المنحازة !
الثقافة في الأردن وغدها الصحفي
نورما خوري رمت حجراً في مياه راكدة
* تيسير نظمي
لم تحسن الدفاع عن نفسها لكنها ألقت الحجر بشجاعة نادرة وتناولت ما صمت عنه كتاب القصة والرواية والشعر وكل ما هو صالح للنشر، نورما خوري التي اكتسبت الجنسية الأمريكية منذ ريعان طفولتها الأردنية، لم تجد وراءها تراثاً في القصة والرواية أردنياً قدر عثورها على المادة الخام في قضايا (الشرف) بمعناها الجنسي، لفتت الأنظار لوجود مخيمات في الأردن تعاني البؤس والفقر ولفتت الأنظار لوجود التعايش الطائفي والتآخي الديني ضمن بوتقة العروبة في ما يصطلح عليه الوحدة الوطنية الأردنية.
أرادت التعبير روائياً عن حس جميل بالانتماء لأردنيتها فكتبت جاعلة حنينها للوطن الأم يحدد خيارات المكان والزمان، لكنها لم تتلق الثقافة الكافية للتريث قبل النشر، ، وما الأخطاء أو ما يظن أنه أخطاء في التعبير الروائي إن كانت عبدون بعد أو بجانب أو قبل الدوار الرابع فقد كان ممكناً تعديلها قبل النشر مثلما تصوب بعض الأخطاء اللغوية لدى كثير ممن أصبحت أسماؤهم مشهورة محلياً ومحسوبين على الثقافة في الأردن. كما أنها تسرعت وربما من أجل تسهيل مهمة الناشر بعدم ترك الأمر مفتوحاً لكل ما هو روائي ومتخيل ومستلهم من الواقع، أخطأت بتحديد نسبة الواقعية التسجيلية لعملها مما سهل على الرداحين المحليين استلال أقلامهم لصفع بنت العشيرة وكلهم تأكلهم في الحقيقة الغيرة من توزيعها لنحو ربع مليون نسخة من روايتها في أنحاء العالم، وإلا لما اضطرت اتحادات نسوية لقراءة الرواية بلغتها الإنجليزية والرد عليها بالهجوم الذي يغفل أن لا وقائع حقيقية مائة – بالمائة سوى للروايات التسجيلية التي نادراً ما تلقى رواجاً، وقياساً على ما ارتكز عليه مهاجميها، فإننا نتساءل هل كانت جميع وقائع ثلاثية نجيب محفوظ ووقائع روايات ديستويفسكي أو فوكنر وماركيز وغيرهم من الروائيين حقيقية مائة بالمائة ؟ لم تقصد نورما خوري أن تلقي حجرها في مياه ثقافة وطنها الأم. لكن المياه الراكدة سرعان ما كشفت كم وراء سكونها قبل إلقاء الحجر من تخلف وجهل بأبسط الشروط الفنية للرواية، سواء كانت لديها أم لدى سلمان رشدي الذي طوى قضيته الزمن ولم يبق باقياً سوى روايته لأنها تظل رواية وليست بياناً سياسياً يمكن التراجع عنه أو التنكر له. وقد كانت منطلقات بعض أدعياء الثقافة والقراءة في الأردن في مناقشتها والتهجم عليها واهية لدرجة أنهم وضعوا خطوطاً حمراء تحت كل سطر وكلمة وفقرة لا يضعها رقيب مثل جدانوف أو رقيب المطبوعات الأردني السابق- رحمه الله- و بعض الخطوط الحمراء ركزت على الجغرافيا فقسمت عمان ومست بالوحدة بالوطنية دون أن تدري، وبعضها تحركت طائفيته وإقليميته وراء خطوطه الحمراء وشتائمه ، فرمى نورما خوري بسهامه وسارع بالانسلال متهماً إياها بالطائفية لأن الضحية – مسلمة- والعاشق – مسيحي – وكان ممكناً حدوث العكس، فأي فرق حضاري لدى المجتمع الأردني بقضه وقضيضه خاصة في مسألة الحب؟ قد يكون الأمر صحيحاً في مسائل التوظيف واحتكار المناصب والمناطق وهذا في كل مكان ولسنا في كاليفورنيا ولا في فرنسا وقصة نورما لا تجري وقائعها في دول ومجتمعات المنظومة الإشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق. كما أن المواضيع الروائية لا تناقش بالنسب والكوتات والإحصائيات فالرواية نوقشت كما لو كانت تقريراً إخباريا ًصحفياً أراد جميع جهابذة الوطنية إثبات عدم صحته وعدم دقته، كأن يذهب اتحاد المرأة لمنطقة في جبل الحسين في عمان ليسأل إن كان هنالك ثمة صالون للسيدات بهذا الاسم أو ذاك، وإذا كان مختلطاً أم لا؟ أسئلة لا تسألها وزارة الداخلية بكل هذه الدقة في أي بلد لمحاكمة عمل فني وإلا لما وصلنا إلى المهرجان رقم 23 لجرش، بالطبع لم يدر بخلدي أن المياه الراكدة تخفي وراءها عقليات عرفية (ثقافية!) إلى هذا الحد إلا عندما تابعت الشتائم التي كالها رؤساء أقسام ثقافية في جرائد تدعي التجديد والحداثة والإضافة لما هو موجود في الصحافة الأردنية، وبالتالي: من كسب الوصول إلى الأردن والعالم؟ إنه بكل تأكيد حجر نورما خوري قبل روايتها وهي كاتبة تستحق منا الشكر لا المزيد من تقديمها كاذبة من أصول عربية للعالم أجمع.
ومن لديه اعتراض فليكتب لنا رواية باللغة التي يشاء ونحن على استعداد للمساهمة في شهرتها إن لم يكن الهاجس من ورائها هو الشهرة والمال أولاً وليس القضايا الاجتماعية والواقع الذي يزداد على الناس سوءاً سواء في عبدون أو في مخيم البقعة في العاصمة عمان!
عندما تصبح الشتيمة والجهل انتماءً للوطن
لم أحس بامتلاء الصمت الثقافي والصحفي منه على وجه الخصوص إلا بعد مضي 12 سنة من معايشة الأسباب الموجبة لمغادرة غالب هلسة للأردن ووفاته خارجها وبعد أن ضاقت به القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق حيث توفي، توفي خارجها أيضاً، أما تيسير سبول فقد أطلق الرصاص من داخلها على نفسه منذ أن وضعت حرب تشرين 1973 أوزارها.
ومنذ وعود الديمقراطية والتوقيع على الميثاق الوطني عام 1989 في أعقاب هبة نيسان حتى الآن غادرت العديد من الأسماء الأردن(سواء في مجال الصحافة والثقافة أو في المجالات الأكاديمية تاركة الصحافة والثقافة الأردنية لمن هم فيها وتاركة التلفزيون الأردني لمن باستطاعتهم التعيش منه) إلى وسائل الإعلام العربية والأجنبية المختلفة.
وحتى نتفهم تكوين تلك القوة الطاردة لكل الخبرات والمثقفين الحقيقيين ما علينا إلا أن نتفحص كتابة وقدرات نموذج واحد ممن يرأسون قسماً ثقافياً في صحيفة يومية كي نقف على أسباب تقاضيه لأعلى مرتب يصل إليه أي محرر أو رئيس قسم ثقافي في الأردن ولنتعرف إلى الأسباب الملزمة لرأس المال الذي من المفترض أنه يسعى للاستثمار والجودة في الخدمة الصحفية وليس العكس للوصول إلى استثمار الهامش الديمقراطي الذي اضطرت إليه البلد اضطراراً ولم يزل فيها الحرس القديم في القطاعين العام والخاص نادماً عليه ويتحفز دوماً للانقضاض عليه لدى البدء الفعلي بتنفيذ وعود وتوصيات الإصلاح التي نفخ مؤتمر( مستقبل الثقافة والفنون في الأردن) بالوناً دعائياً لها في الفترة من 1-3 حزيران 2004 .
رمتني بدائها وانسلت
تحت عنوان " هدايا نورما خوري الشيطانية" كتب نموذج المثقف الأردني السائد مجموعة من الشتائم التي يحاسب عليها القانون ومعلمو مادة الأحياء واللغة الإنجليزية في بلد يعنى فيه القائمون على التربية والتعليم بمستوى مخرجات مدارسهم، يقول في مقاله الافتتاحي للملحق الثقافي الذي صدر يوم الجمعة 20 أغسطس مرفقاً بالعدد اليومي للصحيفة الأردنية الجديدة الواعدة ما يلي:
" الأمر ليس جديداً في عالم الطفيليات التي تتغذى على نهش لحم الأوطان والأقرباء فمنذ أن استنَّ سيء الذكر سلمان رشدي سنته غير الحميدة في سباب الأوطان والتنكر للأعراف والتقاليد والافتراء عليها ظهرت بعده طفيليات اعتاشت من النهش والافتراء والكذب .. من أجل طريق قصير إلى عالم الشهرة والمال.. ومن أجل اقتناص الفرص والمال.. لا شيء سوى النقود التي راهن عليها سلمان رشدي "
ثم يواصل الكاتب مستعيناً بالتاريخ – الذي لا يعرف شيئاً عنه – أنه أي التاريخ،" لن يعترف إلا بالصادقين ، ولسوف يضع نورما وأمثالها في سلة قمامته" – انتهى الاقتطاف-
ثم يوجه الشاتم الجهبذ رسالة مودة وشكر للصحيفة الأسترالية " التي نبشت القضية" كاتباً اسمها على النحو التالي :" سيدني مرننج هيرالد" ويشكر بالطبع " الدكتورة أمل الصباغ التي أخذت على عاتقها قراءة الراوية" وهذا اعتراف يشكر عليه بأنه لا يجيد اللغة الإنجليزية ولم يقرأ الروايتين موضوع شتائمه وموضوع لائحة دعواه دفاعاً عن " الأعراف والتقاليد" والسنة النبوية في مقالة لا تصلح خطبة ليوم الجمعة لا شكلاً ولا مضموناً. لكنه مثل أي كاتب ناشئ ومرتبك يتراجع ضمناً عن كل ما قاله سابقاً في السطر الأخير عندما يقرر:
" أما نورما فالتاريخ وحده هو الكفيل بأن ينصف كتابها وينصفها".. انتهى الاقتطاف –
ما دام الأمر متروك للتاريخ " وحده" فإن القارئ يتساءل لماذا دون الكاتب الشاتم مقالته تلك إذن؟ ولماذا لم يترك الكاتبين وشأنهما نورما خوري وسلمان رشدي للتاريخ " وحده" كي يقرر متى وكيف يستخدم سلة قمامته ومع من ؟ لست أشك في أن المقتطفات تجعل كاتبها مقروء من عنوانه لكن من أجل إسداء الخدمة للكاتب كي يتطور وتتطور كتابته ومستواها لا بد من الملاحظات التالية التي لا تخفى على طالب مجتهد في الإعدادية.
أولاً: ليس من المستحسن إيراد اسم كاتبة غير معروفة لمجرد أن صدر لها كتاب واحد مقترناً باسم كاتب محترف وروائي له مكانته في عالم الأدب وصاحب قضية خلافية كونه من أصول كشميرية كما له موقف سياسي حاسم الآن من الإدارة الأميركية في حربها على العراق واحتلاله.
ثانياً: الطفيليات في علم الأحياء لا تنهش اللحوم لكنها تسترطب وتعيش على رطوبة الأجساد التي لا تستحم وكذلك على كائنات أخرى ولا يمكن تصويرها على أنها من فصيلة آكلة اللحوم – مجرد معلومة مدرسية –
ثالثاً: معلومة مدرسية ثانية تتعلق بكلمة مورننغ Morning فهي لا تلفظ أو تكتب " مرننج"
رابعاً : الصحافة تطرح قضايا ولا " تنبش " فالكلمة الأخيرة تذكرنا بالدجاج الذي ينبش الأرض عن الحبوب ولن تكون الصحيفة الأسترالية ممتنة لهذا الشكر لأن الشاكر يهينها ولا يمدحها بهذه اللغة.
خامساً :" الأعراف والتقاليد" من اختصاص المجتمعات المغلقة والمحافظة ولكل مجتمع أعرافه وتقاليده ولغته ومؤسسات المجتمع المدني في الأردن ما زالت تشكو من الجمود وعدم التطور سواء في التشريعات والقوانين التي يفترض مواكبتها للعصر والتطور والنمو السكاني أو في مجالي حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات ومن ضمنها حرية النشر والتعبير في إطار القانون التي ينص عليها الدستور.
سادساً : يجيز الكاتب لنفسه أن يكتب عن نورما خوري أنها" أمريكية من أصل أردني" بينما لا يجيز لغيره أن يقول أو يكتب " أردنية من أصل فلسطيني".
سابعاً : المجتمعات الأجنبية في أمريكا أو أستراليا غير مبنية على أسس عشائرية حتى ينبري الكاتب للدفاع عن إحدى العشائر العربية – الأردنية مدعياً أن ابنة لها : تنهش " لحم الأوطان والأقرباء" وأرجو من آل خوري الكرام في الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين التلطف مع الكاتب ريثما يرتفع بسوية قراءته وكتابته.
ثامناً: لا نظن أن من لديه الجنسية الأمريكية أو البريطانية بحاجة ماسة للنقود كتلك التي يحتاجها نحو 14 كاتباً أضربوا عن الطعام في الأردن صيف عام 1999 طلباً لوظيفة ربما كان الكاتب يحتل مكان أحدهم أي طالبيها بجدارة مقالته الأخيرة مثلاً ! ولو كانوا بحاجة للنقود فعلاً لتقدموا بطلب للوظيفة في جريدة يومية ناشئة.
تاسعاً: يفترض بكاتب ورئيس قسم ثقافي أن يتجنب الكتابة في موضوعات يجهلها أو غير متمكن منها فاسم " نورما" يذكرنا برواية جميلة للكاتب الفلسطيني يحيى خلف – وزير الثقافة الفلسطيني الحالي وروايته بعنوان " نورما ورجل الثلج" ننصح بقراءتها كما أن اسم الملحق "الثقافي" يذكرنا برواية للكاتب الفرنسي جان جينيه تحمل نفس الاسم وننصح أيضاً – رغم أنها بالفرنسية – رئيس قسم الترجمة في نفس الجريدة بترجمتها وإهداء الترجمة لزميله خاصة وأننا نثمن لرئيس قسم الترجمة المعني ترجمته لرواية" إنهم يقتلون الجياد " وإن لم يتمكن فالآمال معقودة على ابنه الذي يعمل في ذات القسم الثقافي من ذات الجريدة حتى نتمكن من قراءة مقالة لها معنى في الغد، خاصة وأن رئيس القسم الثقافي يحذرنا نحن الكتاب تحديداً وينصحنا بـ" الإبتعاد عن معاني الطمع والشره تلك" ونحمد الله عموماً أننا لم نغادر بيوتنا للعمل بهذه الطريقة لدى واحدة من أغنى الصحف الإعلانية وأكثرها سخاءً بإغداق الرواتب وخطف الزملاء العاملين في الصحف الأخرى بدفع رواتب خيالية لهم خلافاً " للأعراف والتقاليد" المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي، أما أخلاقيات العمل السياسي فلن نتحدث عنها لأن الحياة ذاتها وليس التاريخ هذه المرة تقدمنا للناس وللشعوب حتى وإن لم يكن لدى بعض الشعوب حزباً للشعب فإنها سائرة به أو بدونه.
عاشراً: وكالة رويترز أوردت تقريراً مفصلاً ونشر في صحف أخرى وفي الصحيفة ذاتها وكان بإمكان الكاتب أن يكلف أحدهم بعمل تحقيق صحفي عن صالونات الحلاقة للسيدات من وحي القصة-الرواية-
حادي عشر: من الذي يسيء للأردن والعرب أجمعين وثقافتهم ما دمنا أثبتنا للعالم أن الكاتبة الأمريكية من أصل أردني وعربي تكذب ، أليس الثقافة العربية والمثقفين العرب متضررين لدى ربع مليون قارئ وأكثر؟ وهذه قضية " نبشناها" أردنياً لنخسرها عربياً ونروج أكثر للرواية والكتاب ، فكل ممنوع مرغوب لكثر الممنوعات في أوطاننا.
دفاعاً عن القيمة والمعنى
ما تقدم ليس دفاعاً عن سلمان رشدي وليس دفاعاً عن نورما خوري وإنما دفاعاً عن نجيب محفوظ تحديداً ومن ثم عن صنع الله إبراهيم وعن ليلى العثمان وعن غالب هلسة وعن تيسير سبول وعن كل الكتاب الذين يتهدد وجودهم مثل هؤلاء الكتبة بهذه المستويات وبهذه اللغة والعقلية التي يشرعون بها لكل ذي عديم اختصاص أو موهية أو قضية أن يغتال شخصيتهم لمجرد أنه يدافع عن مرتب ليس جديراً به وعن وظيفة ليس كفؤاً لها موهماً السلطة والنظام أنه يدافع عنه وعن سمعة الأردن وعن الوطن والعشيرة والأعراف والتقاليد والدين والسنة،،، مع أن القارئ في الأردن خاصة بات يدرك شماعة الوطن التي يعلق حتى المتهمين بالفساد والإفساد كل أوزار مطامعهم الشخصية على مشجبها بتصويرهم للآخر الأردني أو الأردني /الفلسطيني على أنه مشكوك في ولائه وأنهم وحدهم لا غير الذين لديهم الانتماء والجدارة والثقافة والأهلية والأولوية لخدمة الأردن مع أن الحقيقة هي أن الأردن الذي يخدمهم دون أن يكونوا جديرين به وبـ" هداياه " الدائمة وفي تصورهم البدائي أن التورط في الكتابة والعمل الثقافي والمشاعر الوطنية ليس أكثر من توزيع "هدايا" وفتح "أحضان" و "قبلات" على "خدي الوطن" ولو كان الأمر كذلك لما غادر كثير من الأردنيين بلدهم ووطنهم إلى مختلف بلدان العالم ، لكن لا الهدايا ولا الأحضان ولا قبلات الواسطة عادت مجدية في هذا الزمن ولا في هذا الوطن الذي بات الغد فيه مقلقاً لكل مخلص.
كتاب لا يقرأون ويجهلون بثقة عالية
ليس في المقالة – إذا جازت التسمية – أي معالجة ثقافية تفيد القارئ . لم نعرف كقراء القصة ولا لماذا قرر الكاتب أن ثمة فتنة طائفية تتهدد الأردن من الخارج أي من نورما خوري أما موضوع سلمان رشدي فقد خمدت نيرانه منذ سنوات حتى بالنسبة لإيران فكيف أخرج الكاتب موضوعه من جبته مدافعاً عن الإسلام؟ كان بإمكانه أن يكتب في هذا الموسم عن ناجي العلي مثلاً أو في أي موضوع لا أن يستعرض لنا إخفاقاته ويحمل الأردن والوحدة الوطنية مسؤولية دفاعه هو عنها متناسياً أن جريدته ذاتها وجرائد سابقة عمل بها هما أول من يشق الصف الوطني ولا توظفان سوى من يوصى بهم وبتفانيهم إما للبيروقراط الحكومي وإما لرأس المال.
مهرجان جرش يحتفي بالموسيقى ويدمرها في آن واحد
تيسير نظمي
كغيره من المهرجانات، لا ينتبه القائمون على مهرجان جرش في دورته الثالثة والعشرين إلى أن الثقافة والفنون لا تحتمل أنصاف وأرباع الحقائق، بل أن وظيفة الثقافة والفن أساسا منذ أرسطو على الأقل وكتابه عن المسرح المسمى "فن الشعر" ومروراً ببريخت وليس انتهاء بجاك دريدا ظلت نتاجاً حضارياً لحقائق الجنس البشري بغض النظر عن الجنس والعرق والمرحلة. ولذلك، أي لهذه الحقيقة الناصعة ما يزال لدينا من يقرأ الشعر الجاهلي وشكسبير وأليوت وماركيز وفوكنر وبوشكين ونجيب محفوظ والسياب ودرويش وغيرهم. ومن يستمع لفيروز وموتزارت وعبد الحليم وغيرهم.
لكن فكرتنا منذ مائة عام على الأقل عن انفسنا صنعها لنا العالم الغربي تحديداً، وليس الصين أو اليابان.ولذلك أصبح كل ما هو آخر أفضل من كل ما هو "نحن". وحتى تتعزز هذه النظرة الاستشراقية الاستعلائية باتت مهمة كثير من المهرجانات التي تنتحل لسبب أو لآخر صفة الثقافة والفن بل والإبداع أيضا..! هي تكريس الغرب بصفته العالم واقصاء حضارات وشعوب وثقافات غير غربية واقصاء مبدعين عرب آخرين أيضا بتقديم وتعميم وتكريس ما هو اكثر هشاشة وخاصة من أدعياء الشعر في ظل غياب النقد والنقاد. فكيف تجلى كل أو بعض هذا في مهرجان جرش الأخير..؟
في ندوة "القصيدة العربية المعاصرة والآخر" كانت التوجهات معدة مسبقاً والأسماء كذلك للإستمرارية في التوجه المشار إليه وعلى المتابع ببسالة وشجاعة أن يلتفت ويتساءل، لماذا تم اختزال الندوة من جلستين إلى جلسة واحدة اتقاء للفضحية التي كان ممثل حركة ابداع الثقافية موشك على اشهارها كما فعل العام الماضي عندما استخدم كلمة "عيب" في ختام جلساتها، وقد كانت بعنوان "القصيدة والحدث" محتجاً على اختزال الثقافة العربية بالقصيدة المختلف على مدى أهلية مدعيها بالشعر أساسا وعلى الحرب على العراق واحتلاله التي تم اختزالها أيضا بمجرد "حدث"..! وهذه السنة أدرك الراصد للمهرجان أن الموال اياه الذي بدأه مهرجان جرش في دورته الحادية والعشرين عن "الآخر" يقصد به كلمة حق يراد بها باطل، وقد تساءل موقع حركة ابداع قبل بدء المهرجان إن كان المقصود بالآخر كونفوشيوس وطاغور وحضارات الشرق الصينية واليابانية والهندية والعربية أم الغرب الإستعماري واسرائيل على وجه التحديد.
جاء الناقد والشاعر اللبناني عباس بيضون وعلى عجل فأنقذ الموقف النقدي البائس الذي قدم فيه ثلاثة من المتداخلين أوراقهم في ذات التوجه وأحدهم ـ صبحي الحديدي ـ بين بين حفظاً لخطوط الرجعة.
عباس بيضون تناول نموذجاً من أدونيس وهو قصيدة "نيويورك" فنسف تماما مقولة الندوة وتوجهاتها البائسة في ظل غياب كثير من المثقفين والنقاد ، كون أدونيس متماهياً أصلا في نيويورك وبيروت ودمشق وغيرها من العواصم مثل عمان لا تعني شيئا بالنسبة له إن لم تكن أصفاراً. فعن أي آخر يا ترى تحدث فخري صالح منتحلاً ادوارد سعيد ومفترضاً أننا لم نقرأه بعد وعن أي آخر تحدث د. وليد حمارنة القادم من احدى جامعات كندا مسقطاً الآخر الذي هو "نحن" من تاريخ فرنسا الكولنيالية..؟
مدير الجلسة، حسن نجمي ، ربما كان أكثرهم فطنة بحيث جعل عباس بيضون آخر المتحدثين. ولذلك قيل للأخير: لولا أنك انقذت الوقت والمعنى لكان لنا معكم حديث آخر. لكن ماذا عن بقية فعاليات المهرجان ومن ضمنها محاضرة عن التنمية السياسية في الأردن للوزير محمد داودية التي لم يحضرها من المثقفين والشعراء المدعوين غير شوقي بزيع وكاتب هذه السطور الذين لم تغط الصحافة المحلية ما قاله جميع الحضور وأحدهم مراسل وكالة الأنباء الروسية لمعالي الوزير. كما لم تشر الصحافة لدلالة استنكاف المثقفين والشعراء أو مدعي ذلك عن الحضور والمناقشة. شوقي بزيع تساءل عن الكيفية التي يوفق بها المثقف بين مهامه الثقافية ووظيفته في السلطة متمنياً أن يرى إنتاجاً ثقافياً للسيدين د. خالد الكركي ومعالي الوزير داودية بصفتهما أعضاء في رابطة الكتاب الأردنيين وشغلا حقائب وزارية في حكومات سابقة وتيسير نظمي طالب بالمزيد من الحريات الأكاديمية اللازمة للمثقف الذي لا يمتلك سوى سلطة المعرفة كي يتمكن المثقف والمؤرخ والأكاديمي الأردني من الرد على المؤرخين الاسرائيليين الجدد ملمحاً لمقالات وكتب بيني موريس وآفي شلايم.
أما فعاليات الشعر أو ما يسمى كذلك فقد بدأت بداية باهتة حتى رغم حضور الشاعر محمود درويش الذي لم يقل شيئا جديداً لمحبيه ومنتظريه غير رثائه لأدوارد سعيد، ومن بعده بدأت مهزلة الشعر الذي ليس بشعر تسببت للحضور القادم في الغالب للمجاملة أو "انصر اخاك ظالما أو مظلوما" فتغيرت المواعيد وتغير البرنامج ولم يتغير مدعي الشعر خاصة من المشاركين العرب الذي تحكمهم مقولة "عنزة ولو طارت" وتسندهم دور نشر ولوبي مهرجان كبير وتكريس اللا معنى كي يضطر المستمع أو المشاهد أو القارىء لسماع Playback أليسا أو الفرجة على أداء نانسي عجرم بعيداً عن كل ما يمت للثقافة بصلة. بالطبع يتصور القائمون على المهرجان أنهم بدعوتهم لشعراء ـ شاعرات هذه المرة ـ أجانب فإنهم يسوقون "شعراء اردنيين" و"الأردن" للعالم..! وهذا اعتقاد خاطىء، فقد اهتمت الشاعرة الرومانية روديكا والشاعرة الإيرلندية شنيد والشاعرة الاسبانية جوزيفا بفن الرقص وفن القصة وفن الترجمة وفن النقد اكثر من اهتمامهن بفن الشعر الحداثي وما بعد الحداثي وبفذلكات النثر الذي يراد تسويقه على أنه شعر. لذلك جاء مهرجان فن العزف على القانون ببعض فرسانه منقذاً أيضاً للمهرجان خاصة وأن خليل كردمان، معلم وعازف القانون العالمي كان بين الحضور، هو والعازف السويسري الفرنسي جوليان والعازفة اللبنانية ايمان الحمصي، ومن الطريف أن مهرجان جرش يحتفى بالموسيقى والعزف على العود والقانون ولا يحتفي بالموسيقى في الشعر..! بل يتعمد جهابذة مهرجان الشعر أن يدمروا الموسيقى خير تدمير ويجهزوا على الثقافة والذائقة بحجة أنهم عرب واردنيين. وهذا لا يخدم شعار "الأردن أولا" على الإطلاق. إلا إذا كان مهرجان جرش معني بتدمير فنون الكلمة محلياً اولاً ومن ثم الانتقال للعواصم العربية الأخرى التي ما يزال للشعر والقصة والرواية مكانة تحترم فيها. من طرائف المهرجان أن الزائرين العرب والأجانب أرسلوا ببطاقات ورسائل الشكر لشخص غير مدعو للمهرجان ولكنه كان متابعاً وبمثابة الدليل السياحي أو الثقافي مع بعض المدعويين ولذلك حظي أيضا بوجبات طعام لم يكن يتصور أنها موجودة في المناطق السياحية في الأردن وبدعوات وحفلات كان بعض من لا يعرفوه يظنونه فيها قادماً من باريس أو لندن، خاصة عندما تبين أن له علاقة بالثقافة واللغات الأجنبية اكثر من بعض القائمين على المهرجان.
كتب المقال أدناه ولم ينشر قبل فضيحة التوجيهي
على هامش انعقاد مؤتمر مستقبل الثقافة والفنون الأردني
تظاهرة سياسية بعناوين ثقافية استعراضية
الخميس
3/6/2004م
* تيسير نظمي
جاء انعقاد المؤتمر الثقافي الأردني (1-3 حزيران) في سياق قرارات القمة العربية تماماً واعداً بالإصلاح والتنمية والمتغيرات ومستجيباً شكلياً واحتفالياً لهموم وتطلعات بل وطموحات المشتغلين في الجسد الثقافي في الأردن ومنذ البدء حددت الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الدولة المنتدبة لإدارة شؤون وزارتي الثقافة والإعلام أسمى خضر ( حيث أسقطت حكومة فيصل الفايز من حساباتها لدى تشكيلها حقيبتي الثقافة والإعلام واعدة بتشكيل مجلس أعلى للإعلام ومجلس أعلى للثقافة والفنون وظل أمر حل الوزارتين معلقاً بين مؤيد ومعارض حتى الآن) حددت أسمى خضر في مؤتمر صحفي لها في المركز الثقافي الملكي قبل يوم من انعقاد المؤتمر صلاحياته وأبعاده وقالت أن حكومتها ليست ملزمة بنتائج وتوصيات هذا المؤتمر لكنها ستدرسها وتعمل إجرائياً وتشريعياً بالتالي على ضوئها حيث يطرح المؤتمر شعار (مستقبل الثقافة والفنون)
وقد تجنب طرح شعارات أخرى مثل مستقبل الإنسان المثقف والفنان مبقياً سير أعمال المؤتمر عائماً في مطلق وعموميات الدراسات الأكاديمية التي طرحها في الغالب أساتذة جامعات وأكاديميون اعتادوا على إطلاق النظريات دون أن يستخدموا تلك النظريات أداة منهجية لمعاينة واقع الثقافة الفعلي في الأردن
ورغم أن قاعة المؤتمرات في المركز الثقافي الملكي غصت بالحضور كتاباً وأنصاف كتاب وكتبة وفنانون ونصف فنانين وهواة وفضوليون وأعضاء مجلس نواب وموظفون وصحفيون أثناء الكلمات الافتتاحية المنتفخة إنشائياً بوعود كالبالونات وآمال متفائلة بتغيرات مستقبلية على الأبواب لحال الثقافة وأحوال المثقفين إلا أن الحضور الذي ملأ جميع المقاعد شيباً وشباباً ونساء وصبايا ما لبث أن تقلص إلى الربع تقريباً حالما بدأت الجلسة الأولى التي تناولت موضوعات مثل
"الثقافة في عالم متغير" د. هشام غصيب و " الثقافة والتنمية والمجتمع المدني" د. محمد مقدادي و " الثقافة والتربية" د. عبد الله عويدات والقاسم المشترك للأكاديميين الثلاثة رغم تباين موضوعاتهم واختلاف العناوين هو إسقاطهم للواقع الفعلي سواء في الأردن أم في الأوطان العربية الأخرى من طروحاتهم حيث ظلوا جميعهم يتحدثون كما لو أنهم يعطون محاضرات تقليدية عن العولمة وآفاق التنمية وتطلعات المجتمع المدني وأهمية التربية
الترتيبات المطلوبة بعد الحسم العسكري في غزة
دون أن يتطرق أي منهم لذكر مثال من الواقع أو اسم لكاتب أو مثقف أو فنان ماثل للعيان، كلام نظري دون تطبيق وكلام نظري في المطلق لا يجرؤ أحد على تطبيقه على واقع الحال أما اليوم الثاني لهذه التظاهرة السياسية الأكثر منها ثقافية فحمل العناوين التالية:" المؤسسات والهيئات الثقافية وتحديات العمل الثقافي" د. باسم الزعبي و "البنى التحتية والموارد البشرية في العمل الثقافي" د. عبد السلام الطراونة و " هموم المبدع الأردني" صلاح حزين و " الحركة الثقافية في الأردن – الآداب – " د. إبراهيم خليل و " الفنون التشكيلية والتطبيقية – المآزق والحلول-" محمد أبو زريق و " الفنون الأدائية – الخروج من الدائرة المغلقة-" حيث تناول فيها د. عمر النقرش المسرح والسينما وتناولت ريم سعادة الدراما التلفزيونية وتناول د. عبد الحميد حمام الموسيقى والغناء ومن عناوين الجلسة الثالثة ليوم الأربعاء: " البحث العلمي" د. أنور البطيخي و " التأليف والترجمة" د. عبد الله الشناق و " النشر والتوزيع" فتحي البس و " الآثار والتراث" د. زياد السعد و " الثقافة ووسائل الاتصال الجماهيري" د. صالح أبو أصبع في حين حمل اليوم الثالث للمؤتمر العناوين التالية:"اقتصاديات الثقافة " د.إبراهيم بدران و " التشريعات الثقافية ومواكبتها للتطورات" د. قاسم عبده و " إدارة العمل الثقافي" د.صلاح جرار ثم أخيراً " العمل الثقافي في المحافظات – الواقع والطموح – " د. حسين محادين وشاركه د. يوسف غوانمة لينتهي المؤتمر بحوار مفتوح لمدة ساعتين يديره د. عدنان بدران وصولاً للجلسة الختامية والتوصيات التي أسلفنا في البدء أن الحكومة الأردنية غير ملزمة بها حيث أدار تلك الجلسة د. خالد الكركي.
والظريف بالأمر أن جل المتحدثين شغلوا مناصب حكومية رفيعة فبينهم وزراء ووكلاء وزارات سابقون وأساتذة جامعات حكومية وأهلية بمعنى أن ليس الواقع الحقيقي قد تم إسقاطه وتجاوزه في هذا الاحتفال وحسب وإنما المبدعين والمثقفين والكتاب المحترفين الذين ليس لديهم غير حرفة الكتابة ليعتاشوا منها أو حرفة الفن كي يستمروا على قيد الحياة وهذا ما كان يؤمل أن يتطرق إليه المؤتمر وأن تلتفت إليه الحكومة إن كانت جادة في التنمية الثقافية هذه المرة بعد أن تحولت التنمية السياسية إلى تنمية العشائر وترضيتها وهو ما يطرح شكوكاً مشروعة لدى المتابع في مدى جدية الحكومات العربية وأولها الأردنية في تطبيق فعلي لبرنامج إصلاح يخفف العبء والاحتقان سواء للمواطن العادي أو لبعض المثقفين الذين يصفهم جرامشي بالمثقفين العضويين الملتصقين بهموم الشارع والناس المسحوقين بغلاء الأسعار والضرائب ومنها ضريبة المعارف والتلفزيون وغيرها
بتر الثقافة من الزمن بحدود المكان السياسية
المؤتمر (المنتدى) هو موضوع هذه المراجعة النقدية ومحفزها من حيث سياق انعقاده مكاناً وزماناً من ناحية ومن حيث السياق السياسي المحلي والعربي والدولي من ناحية ثانية، وفي اعتقادي المتواضع أنه شكل فضيحة ثقافية في سياقه الاجتماعي الاقتصادي على المستوى القطري( الأردن) وطرح تداعيات تاريخية ثقافية على مستوى المنطقة (المشرق العربي على وجه التحديد) رغم أن القائمين عليه حاولوا تكبيله في إطاره الضيق وقد استجاب جل المشاركين وليس كل المناقشين(المتداخلين أو طارحي الأسئلة) عن قصد وطيب خاطر( الغالبية أساتذة جامعات أردنية ورجالات حكم سابقين) لكل الأطر المكبلة للثقافة مكاناً ولغة وزماناً مما جعل المسكوت عنه والمهمش أكبر بكثير من المعلن، وحتى هذا المعلن الذي يتعلق بثقافة (المستقبل) الأجيال السابقة واللاحقة وواقع الراهن
لم يجرؤ لا التلفزيون الأردني ولا الفضائيات ولا الصحافة على نقله لعموم الناس أو ما يدعى في الخطاب الديمقراطي (جمهور الناخبين) فقد غاب عن جلساته نواب الشعب في البرلمان وكأن الأمر لا يعنيهم رغم أن الشعار المطروح هو(مستقبل الثقافة والفنون) وعملياً كان المؤتمر المنتدى يريد أن يمهد الأجواء محلياً بالعدول عن حل وزارتي الثقافة والإعلام الأردنيتين والحصول على ما يشبه الاستفتاء في أطر النخبة على هذا الموضوع أو الحصول من المؤتمر على التوجهات المباركة لتشكيل مجالس عليا للثقافة والإعلام وطرح منافسة قبل التعيين الرسمي على المتسابقين على عضويتها لذر الرماد في العيون إذا ما صدرت قرارات التعيين التي باتت معظم الأسماء فيها معروفة ولكن بانتظار صدور القرارات وتحديد حجم الرواتب والنظر للاحتياجات والمطالب بغض النظر عن الواقع الراهن والقوانين المكبلة للحريات اللازمة للإبداع والمبدعين ومستوى إبداعاتهم خارج الحدود الجغرافية للدولة الأردنية على الأقل في إطار الإقليم الذي تقع فيه عواصم الثقافة مثل بغداد ودمشق وبيروت والقدس ومدينة مثل أريحا التي يبلغ عمرها الآن 12 ألف سنة وأربع سنوات ونصف بحسب المصادر التاريخية المجمع عليها دولياً،
ففي السياق السياسي جاء الملتقى (المؤتمر) في أعقاب مؤتمر القمة العربي الذي أعد جاهزيته الشكلية بالإصلاح قبيل انعقاد مؤتمر الدول الثمانية وقبيل طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، أي بمعنى أن الأنظمة العربية المشاركة قفزت بهذا الاستباق عن كافة الاستحقاقات بإصلاحات ديمقراطية جذرية وحقيقية كي لا تتم محاسبتها على الأقل حاضراً عن واقعها الراهن إن لم تكن المحاسبة بنيوية أو بأثر رجعي وقد بلغ عمر كل منها ما بلغ من (الاستقلال) الأردن مثلاً 58 عاماً، الأمر الذي لا يدعو صانع القرار في كل من واشنطن – تل أبيب والمشاركين بتشذيبه أو |