تريد نقل التنفيذية والوطني للداخل وتهميش منظمة التحرير في الخارج
20/6/2006
"الوطن"و"حركة إبداع" تنفردان بنشر نص ورقة عمل لجنة تفعيل المنظمة في رام الله
تريد نقل مقر التنفيذية والوطني للداخل وتهميش منظمة التحرير في الخارج
ـ القدومي يبرر تراجعه عن مقترحاته أمام فصائل دمشق بتمسكه بقرارات اللجنة المركزية الخاصة بها
ـ الفصائل طلبت من أبو اللطف حث أبو مازن على إلغاء الإستفتاء فأجابها بأن نجاح الحوار يلغيه
ـ خالد مشعل يتحدث عن اتفاق على معالجة قريبة للقضايا العالقة بين القدومي ومحمود الزهار
عمان ـ شاكر الجوهري:
التفاؤل بنتائج الحوار السياسي الجاري بين مجموع الفصائل الفلسطينية في غزة, يجب أن يبعد النظر عن نتائج الزيارة الأخيرة التي قام بها فاروق القدومي أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" إلى دمشق الأسبوع الماضي, ذلك أن حوار غزة, لئن كان من شأنه أن يتجاوز التباينات السياسية الرئيسية, فإنه سيترك لحوار دمشق المقبل مهمة التراجع عن مشروع البرنامج التنظيمي لمنظمة التحرير الفلسطينية, أو الإختلاف حوله..!
زيارة القدومي للعاصمة السورية تمت في الموعد الذي سبق الإتفاق عليه, وهو الحادي عشر من الشهر الجاري, غير أنه طرأ على هذه الزيارة تغيرين هامين, احدهما بناء على طلب من الفصائل التي كانت تنتظر زيارة القدومي بعد تصالحه مع محمود عباس نائب أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح", حيث طلبت الفصائل على لسان أحمد جبريل أمين عام الجبهة الشعبية/القيادة العامة, حضور القدومي بمفرده أولا, والآخر مارسه القدومي نفسه حين فضل الإلتقاء مع كل فصيل على حدة, ولم يلتق كل الفصائل مجتمعة, كما كان مقررا, وبعكس عادته في زياراته السابقة.
الفصائل طلبت حضور القدومي بمفرده لترى انعكاسات مصالحته مع عباس على مواقفه وطروحاته وعلاقته معها.. أما القدومي فقد ارتأى التقاء كل فصيل على حدة بهدف التهرب من تقديم أي التزام للفصائل مجتمعة, وكي لا يتبارى قادة الفصائل في توجيه الإنتقادات له, واحراجه فيما يتعلق بمواقفه السابقة, التي يفترض أنها كانت تهدف إلى الإستقواء بهذه الفصائل على عباس, ولم تعد هذه الحاجة قائمة بعد المصالحة التي تمت بينهما في تونس.
موقف الفصائل
لذلك, فقد اتفقت الفصائل قبل وصول القدومي على ابلاغه موقفا مشتركا, باستثناء الجبهة الديمقراطية التي أبدت حماسا لفكرة اجراء الإستفتاء على وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى), يتلخص في نقطتين رئيستين:
الأولى: الطلب إليه اجراء اتصالات مع محمود عباس ليطلب منه تعليق قراره بإجراء استفتاء شعبي على وثيقة الأسرى.
الثانية: ضرورة بدء الحوار الوطني الفلسطيني في اطار اللجنة الوطنية العليا التي قرر حوار القاهرة (17 آذار/مارس 2005) تشكيلها, على أن يعقد هذا الحوار في دمشق بعد الإجتماع المقرر للجنة المركزية لحركة "فتح" يومي الأول والثاني من تموز/يوليو المقبل في عمان, التي وافقت على السماح للقدومي بزيارتها, للمشاركة في اجتماع اللجنة وترؤسه, ما دام قد تصالح مع عباس.
وتتشكل هذه اللجنة من الأمناء العامين للفصائل, وأعضاء اللجنة التنفيذية, ورئاسة المجلس الوطني الفلسطيني, وشخصيات مستقلة لم يتم تحديدها بعد, واتفق على أن يدعو لانعقادها, ويترأس اجتماعاتها, محمود عباس, بصفته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد أكدت الفصائل على ضرورة ترؤس عباس لجلسات الحوار في دمشق, بهدف الزامه بما يتم التوافق عليه, وحتى لا يقول أنه لم يفوض القدومي بما وافق عليه.
القدومي أبلغ بذلك لدى التقائه الأمناء العامين, وقادة الفصائل, حيث التقى في اليوم التالي لوصوله أولا نايف حواتمة أمين عام الجبهة الديمقراطية, باعتباره مؤيدا لموقف "فتح" لجهة ضرورة اجراء الإستفتاء, وللتشاور معه بشأن مواقف بقية الفصائل قبل أن يلتقيها. ثم التقى القدومي خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس", وبعده أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية/القيادة العامة. وفي اليوم التالي التقى على التوالي خالد عبد المجيد الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني, ثم أبو نضال الأشقر الأمين العام لجبهة التحرير
الفلسطينية, ثم ماهر الطاهر مسؤول قيادة الخارج في الجبهة الشعبية, فرمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي, وأخيرا محمد خليفة عضو قيادة منظمة الصاعقة. ولم يلتق عربي عواد أمين عام الحزب الشيوعي الثوري الفلسطيني, وأبو موسى أمين عام حركة "فتح/الإنتفاضة", التي يرفض القدومي التقاء قادتها كونهم منشقين عن حركة "فتح".
موقف القدومي
في هذه اللقاءات أبلغ القدومي الفصائل بما يلي:
أولا: أنه تم تكليفه من قبل اللجنة المركزية لحركة "فتح" بملف الحوار مع الفصائل حول اعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية.
ثانيا: أنه سيزور دمشق مرة أخرى بعد انتهاء اجتماعات اللجنة المركزية لحركة "فتح" في عمان مباشرة, على رأس وفد يضم إلى جانبه أحمد قريع عضو اللجنة المركزية, وعزام الأحمد عضو المجلس الثوري, ولن يحضر عباس لجولة الحوار الأولى, لكنه يمكن احضاره لجولة الحوار الثانية.
ثالثا: سيزور دمشق بالتزامن, ولذات الغاية سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني, عضو مركزية "فتح".
رابعا: أن الوفد الذي سيترأسه القدومي سيحاور الفصائل باسم كل حركة "فتح", وعلى قاعدة موقف الحركة, لا على قاعدة مواقف القدومي نفسه.
خامسا: أن قاعدة هذا الحوار هي مشروع البرنامج السياسي, ومشروع البرنامج التنظيمي اللذان اعدتهما لجنة خالد عبد المجيد, التي سبق أن قررت الفصائل تشكيلها باقتراح من القدومي نفسه.
لكن القدومي أضاف أنه سيعرض هذين المشروعين على اجتماع اللجنة المركزية في عمان كي تناقشهما, وأنه ووفده سيلتزمان بقرارات اللجنة المركزية.
سادسا: أن الإتفاق بين الفصائل على مشروعي برنامجين تنظيمي وسياسي سيلغي بشكل تلقائي قرار الإستفتاء.
وتخلص المصادر من ذلك إلى ما يلي:
أولا: أن القدومي الذي كلف الآن من قبل مركزية "فتح" بتمثيل الحركة في الحوار حول اعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير, لم يكن يمثل "فتح" في لقاءاته السابقة, التي كان يعقدها مع الفصائل تحت هذا العنوان.
ثانيا: لذلك, فإن القدومي الذي كان يستقوي بالفصائل على عباس عبر طرح اقتراحات لا يوافق عليها رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, لا يمكن أن يظل متمسكا بتلك المواقف, وخاصة ما يتعلق منها بالمطالبة بالفصل بين رئاسة اللجنة التنفيذية, ورئاسة السلطة الفلسطينية.
ولذلك, فإن القدومي أبلغ الفصائل مسبقا أنه سيلتزم بقرارات اللجنة المركزية لهذه الجهة.
ثالثا: أن مشروعي البرنامجين التنظيمي والسياسي لمنظمة التحرير, اللذان توافقت عليهما لجنة خالد عبد المجيد بوجود محمد أبو ميزر ممثلا لـ"فتح" والقدومي, لم يعودا موضع توافق, وإنما هما قاعدة للحوار.
رابعا: أن القدومي مثله مثل عباس متمسك بورقة الإستفتاء باعتبارها أداة ضغط على الفصائل للقبول بوثيقة الأسرى, التي باتت تمثل مواقف أسرى "فتح" والجبهة الديمقراطية, بعد انسحاب ممثلي أسرى "حماس" والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية. فالإستفتاء يلغى في حالة موافقة جميع الفصائل على هذه الوثيقة, وبعكس ذلك فإن الإستفتاء يلزم الجميع بهذه الوثيقة التي تعترف ضمنا بإسرائيل. وهذا نموذج عملي على التزام القدومي بقرارات اللجنة المركزية.. ذلك أنه يواصل الإعلان أنه يرفض اتفاقات اوسلو وما ترتب عليها من اعتراف بإسرائيل.
قريع والأحمد
وتتوقع المصادر أن يلعب قريع والزعنون دورا مهما في طرح وجهة نظر "فتح" المختلفة عما كان يطرحه القدومي في لقاءاته السابقة بالفصائل. وقد تم اختيار قريع وعزام الأحمد لعضوية الوفد مع القدومي لاعتبارين رئيسين هما أن قريع كان يمثل عباس وينوب عنه في حضور وترؤس اجتماعات "اللجنة العليا لتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية" التي كانت تنعقد في رام الله بمشاركة "فتح" واجنحة منشقة عن فصائلها مثل جبهة التحرير العربية, جبهة النضال الشعبي, جبهة التحرير الفلسطينية, وقوى من خارج منظمة التحرير مثل المبادرة الوطنية بقيادة الدكتور مصطفى البرغوثي, وقائمة الطريق الثالث بزعامة الدكتور سلام فياض, ومنظمات مؤيدة لـ"فتح", أو لشخص أبو مازن مثل الجبهة الديمقراطية, فدا, حزب الشعب, اضافة إلى ممثلين لقيادة الداخل في الجبهة الشعبية. وبالطبع, بغياب حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي.
وتم اختيار عزام الأحمد باعتباره قاد المفاوضات مع قادة "حماس" في الداخل التي حالت دون تشكيل حكومة وحدة وطنية.
أما الزعنون, فهو يرفض تقليص عدد اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني من 744 عضواً إلى 350 عضوا, كما اجمعت على ذلك الفصائل في دمشق, ويريد الإحتفاظ بالعدد الحالي, وبذات الأعضاء إن أمكن, أو زيادة العدد إلى ألف عضو, بحيث يضاف لعضوية المجلس ممثلون لـ"حماس" والجهاد, بما يبقي قيادة منظمة التحرير لـ"فتح".
بالطبع القدومي شخصيا صاحب مصلحة في ابقاء سيطرة "فتح" على منظمة التحرير, ليس فقط لأنه يشغل أمين سر اللجنة المركزية للحركة, وإنما كذلك لأن سيطرة "فتح" تعني بقاءه رئيسا للدائرة السياسية للمنظمة.. العنوان الذي خاض تحته معارك لها بداية وليس لها نهاية مع وزراء الشؤون الخارجية المتعاقبون في حكومة السلطة, وآخرهم محمود الزهار, الذي أعلن أن القدومي لم يلتقيه لدى تواجدهما في دمشق بسبب كثرة ارتباطاته.
وتتكتم المصادر على الطرف الذي تعمد عدم لقاء الآخر.. هل هو القدومي أم الزهار..؟ لكن المصادر تنقل كلاما ايجابيا على لساني القدومي ومشعل حول نتائج اجتماعهما, بعد الخلاف الذي أعقب إلغاء اجتماع سابق لهما في آخر زيارات القدومي للعاصمة السورية, جراء سوء فهم حول موعد اللقاء, علما أن هناك من يعتقد بوجود جهة ما داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالقدومي هي التي عملت على افتعال سوء الفهم هذا لصالح عباس, حيث تم ابلاغ القدومي بموعد للقائه مع مشعل يسبق الموعد الذي حدده مشعل بأكثر من ساعتين.
على كل, تنقل المصادر عن لسان القدومي وصفه للقاء مع مشعل بأنه كان ايجابيا ووديا, جرى التوافق فيه على الحوار ومتابعة الإتصال. وتنقل المصادر عن مشعل وصفه للقاء بأنه كان ايجابيا, تم الإتفاق فيه على معالجة قريبة للقضايا العالقة بين القدومي والزهار.
القفز عن الجانب التنظيمي
وعودة إلى الحوار الوطني, فإن الخلاف حول "وثيقة الأسرى", والتلويح بورقة الإستفتاء, ساعدا عباس في بدء حوار حول وثيقة توافق وطني سياسية, لا تخلو من جوانب تنظيمية, طالبت "حماس" بإجرائه في غزة, بعد أن بدأ في رام الله, ليثير علامات استفهام كبيرة حول جدوى استئناف الحوار في دمشق, بعد أن يكون قد وصل إلى غاياته في غزة..؟
ترى المصادر أن حوار غزة سيفقد الفصائل, وخاصة "حماس", الجهاد والشعبية, امكانية المساومة على البرنامج التنظيمي من خلال ابداء مطلب, أو تقديم تنازلات في البرنامج
السياسي. فورقة الإستفتاء جعلت الإتفاق على مشروع البرنامج السياسي مهمة عاجلة, لتقطفها حركة "فتح".. أما مشروع البرنامج التنظيمي في هذه الحالة, فيمكن لـ"فتح" أن تماطل وتؤجل اقراره إلى ما شاء الله من أجل أن تبقي احتفاظها بقيادتها لمنظمة التحرير وسيطرتها عليها, بعد أن يكرس البرنامج السياسي مرجعية المنظمة للسلطة وحكومتها ومجلسها التشريعي.
وكان عباس, كما أشرنا, عقد اجتماعات في رام الله لـ"اللجنة العليا لتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية", بالكيفية التي بيناها من قبل, في محاولة لإحلال هذه التشكيلة للجنة محل التشكيلة المتفق عليها في القاهرة. وقد أقرت هذه اللجنة لعباس كل ما يريده, لكن "حماس" والجهاد الإسلامي اللتان لم تشاركا فيها, لا يمكن أن تقرا ما توصلت إليه, فهي في الجانب السياسي تعلن "التمسك الكامل بمبادرة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت العربية", و"التمسك بقرارات الشرعية الدولية وخطة خارطة الطريق وحل الدولتين".. الخ..
وتغفل مخرجات هذه اللجنة في الجانب التنظيمي عدد اعضاء المجلس الوطني لدى اعادة تشكيله, وتقرر اقامة مقر دائم للجنة التنفيذية في رام الله وآخر في غزة, واعتماد مقر مؤقت للمجلس الوطني الفلسطيني في الوطن, أي إلغاء مقره الحالي في عمان.. وتحديد صلاحيات المجلس المركزي بين دورتي انعقاد المجلس الوطني, علما أن هذه الصلاحيات محددة, لكن عباس يريد زيادة هذه الصلاحيات تحت مسمى التحديد, بدلا من اعادة التحديد, بحيث تشمل اختيار اعضاء اللجنة التنفيذية.. وهذا ما من شأنه اطالة عمر المجلس الوطني المقبل إلى ما شاء الله, وابقاء سيطرة "فتح" على المنظمة بالتوازي مع ذلك.
وترى المصادر في هذه النقاط محاولة لحصر مهمات منظمة التحرير في الداخل, بدلا من تهميش المنظمة, ما دام فوز "حماس" في الإنتخابات التشريعية وتشكيلها للحكومة يفرض ابقاء المنظمة بقيادة عباس و"فتح".
ورقة عمل لجنة التفعيل
"الوطن" حصلت على نص ورقة العمل التي توصلت إليها لجنة رام الله, وكما يلي:
عقدت اللجنة العليا لتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية سلسلة اجتماعات في مدينة رام الله خلال شهري شباط/فبراير وآذار/مارس 2006 برئاسة الأخ سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني, وقد أناب عنه الأخ أبو علاء رئيس الوزراء وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح", نظرا لسفره إلى الخارج, كما حضر جانبا من هذه الإجتماعات الأخ الرئيس أبو مازن وحضر هذه الإجتماعات خلال هذه الفترة القوى والفصائل والهيئات التالية:
1 ـ اعضاء من اللجنة التنفيذية للمنظمة.
2 ـ ممثلون عن حركة "فتح".
3 ـ ممثلون عن الجبهة الشعبية.
4 ـ ممثلون عن الجبهة الديمقراطية.
5 ـ ممثلون عن جبهة التحرير العربية.
6 ـ ممثلون عن جبهة التضال الشعبي.
7 ـ ممثلون عن جبهة التحرير الفلسطينية.
8 ـ ممثلون عن حزب الشعب الفلسطيني.
9 ـ ممثلون عن حزب فدا.
10 ـ ممثلون عن المبادرة الوطنية.
11 ـ ممثلون عن قائمة الطريق الثالث.
وقد استعرضت اللجنة الأوراق المقدمة من الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية إلى الأخ رئيس المجلس الوطني الفلسطيني, وكذلك ما توصلت إليه اللجان السابقة, والتي عقدت عدة اجتماعات في عمان ودمشق وبيروت والقاهرة مع ممثلي القوى الوطنية والإسلامية والفعاليات الوطنية طوال العام الماضي.
وانطلاقا من اتفاق القاهرة في آذار/مارس 2005, فقد توصلت اللجنة العليا لتفعيل المنظمة, إلى مشروع ورقة العمل والذي يتضمن الإطار السياسي والإطار التنظيمي لتفعيل المنظمة من المجلس الوطني وحتى اللجنة التنفيذية.
أولا: الإطار السياسي ويتضمن منظمة التحرير الفلسطينية والبرنامج السياسي
أ ـ منظمة التحرير الفلسطينية: إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج والشتات, وهي الناطقة باسمه في مختلف المحافل العربية والدولية, وهي قاعدة العمل الوطني الفلسطيني وجبهة وطنية عريضة, تضم كافة القوى والفصائل والفعاليات الوطنية النقابية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية. إن المنظمة هي الصرح الوطني الذي اقامه شعبنا بكفاحه وتضحياته, ردا على النكبة التي حلت بشعبنا في عام 1948, وهي الرافعة الوطنية الكبرى لحماية كيان الشعب الفلسطيني, وشخصيته الوطنية وقراره الوطني المستقل.
وقد شكلت منظمة التحرير الفلسطينية الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط, وانتزعت قرار القمة بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, وأصبحت عضوا مراقبا في الأمم المتحدة, واعترفت بها دول العالم, واصدرت في عام 1988 وثيقة اعلان الإستقلال وقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967, وهي قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشريف. وتمسكت على الدوام بقرارات الشرعية الدولية, وبخاصة القرار 194 الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم ووطنهم, وأسقطت كافة مشاريع التوطين والتعويض وأكدت أن قضية اللاجئين هي قضية هوية ووطن.
واستطاعت المنظمة أن تقيم أول سلطة وطنية فلسطينية في التاريخ على أرض فلسطين, نواة وبؤرة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وقد جسدت منظمة التحرير الفلسطينية على مدى اربعين عاما الكيانية الوطنية والشخصية الوطنية المستقلة, باعتبارها المرجعية الشرعية الوحيدة للشعب الفلسطيني والهوية الوطنية في مرحلة التحرر الوطني, التي يخوضها شعبنا من أجل حريته واستقلاله وحقه في العودة وتقرير المصير فوق أرض وطنه.
وفي الوقت الذي تشتد فيه الهجمة الإسرائيلية لقطع الطريق على شعبنا لمنعه من اقامة دولته المستقلة من خلال فرض الوقائع الإستيطانية ومشاريع الحلول الأحادية والجزئية وجدار الفصل العنصري والمستوطنات, وفصل قطاع غزة عن الضفة واحاطة القدس بالجدار والكتل الإستيطانية, فإن تفعيل المنظمة ودوائرها ومؤسساتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا كفيلة اليوم بإفشال كافة هذه المؤامرات كما افشلتها في الماضي القريب والبعيد.
ب ـ البرنامج السياسي: في عام 1988 عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الثامنة عشر, دورة الإستقلال الوطني والدولة المستقلة في الجزائر الشقيقة, وقد صدر عن هذه الدورة برنامج الإجماع الوطني, والذي تضمن وثيقة الإستقلال واعلان الدولة المستقلة, وكذلك ما تضمنه اتفاق القاهرة (آذار/مارس 2005) على النحو التالي:
· التمسك بالثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف, وهي حقه في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة في عدوان حزيران/يونيو 1967.
· التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن وجوده وعن أرضه وفي مقاومة الإحتلال والإستيطان الإسرائيلي للوطن.
· الإلتزام الكامل من قبل كافة القوى باتفاق القاهرة (آذار/مارس 2005) لتعزيز الديمقراطية, واجراء الإنتخابات بكافة اشكالها, والتمسك بالتهدئة وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية, باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, وبإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الأراضي المحتلة عام 1967.
· التمسك الكامل بمبادرة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت العربية في عام 2001, ودعوة القيادات العربية للتحرك على المستوى الدولي لدعم الموقف العربي.
· التمسك بقرارات الشرعية الدولية وخطة خارطة الطريق وحل الدولتين, ودعوة اللجنة الرباعية لتفعيل دورها لإلزام حكومة اسرائيل بتنفيذ هذه الخطة الدولية, ووقف بناء الجدار والمستوطنات والخطط الأحادية والجزئية التي لن تحقق الأمن والسلام, والتي أعلن عنها اولمرت بعد الإنتخابات الإسرائيلية.
· التمسك بالقرار الدولي 194 الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ووطنهم, ورفض مشاريع التوطين والتعويض, فقضية اللاجئين هي قضية وطن وهوية وليست تعويضات.
· العمل الفوري لتطبيق الحكم القضائي الصادر عن محكمة العدل الدولية ببطلان وعدم شرعية الجدار والمستوطنات في جميع الأراضي الفلسطينية وفي القدس الشريف, وتحريك كافة الهيئات الدولية لهذا الغرض, والعمل على فرض العقوبات الدولية على اسرائيل.
· العمل على اطلاق سراح الأسرى والمعتقلين من سجون الإحتلال ومعتقلاته, والقيام بحملات على المستوى الدولي للضغط على حكومة اسرائيل لإطلاق سراح اسرانا ومعتقلينا.
· الرفض المطلق لمشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة, الذي يمزق وطننا إلى غيتوات معزولة, ويفصل قطاع غزة عن الضفة, ويعزل القدس الشريف. إن هذا المشروع الإسرائيلي لا يمكن أن يمر, ولا بد من التصدي له ومنعه بكل السبل والوسائل.
· التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني.
ثانيا: الإطار التنظيمي
تتشكل منظمة التحرير الفلسطينية من الهيئات التالية:
1 ـ اللجنة التنفيذية للمنظمة.
2 ـ المجلس الوطني الفلسطيني.
3 ـ المجلس المركزي الفلسطيني.
4 ـ الصندوق القومي الفلسطيني.
5 ـ الدوائر والمؤسسات التابعة للجنة التنفيذية.
وقد درست لجنة تفعيل المنظمة واقع هذه الهيئات وخرجت بالتصور التالي:
اللجنة التنفيذية:
1 ـ مقر دائم للجنة التنفيذية في رام الله, كما في غزة, وتعيين أمين سر للجنة التنفيذية.
2 ـ انتظام عمل اللجنة التنفيذية بشكل دوري.
3 ـ تفعيل الدوائر واعتماد الهيكليات الخاصة بكل دائرة وصرف موازنات الدوائر.
4 ـ انتخاب لجنة تنفيذية جديدة في المجلس الوطني القادم, تضم كافة القوى والفعاليات السياسية والوطنية.
المجلس الوطني الفلسطيني:
1 ـ اعادة تشكيل المجلس الوطني من الداخل والخارج.
2 ـ اجتماع الحوار في القاهرة يحدد عدد المجلس, ويضع الآليات لانتخاب اعضاء المجلس في الخارج حيثما أمكن اجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية.
3 ـ المجلس الوطني ينتخب اللجنة التنفيذية الجديدة, ويختار رؤساء اللجان, ويقر موازنة المنظمة.
4 ـ اعتماد مقر دائم للمجلس الوطني في الوطن بشكل مؤقت, إلى حين استعادة القدس الشريف حيث المقر الدائم.
المجلس المركزي الفلسطيني:
1 ـ اعادة تشكيل المجلس المركزي بعد دورة المجلس الوطني.
2 ـ تحديد صلاحيات المجلس المركزي بين دورتي المجلس الوطني.
الصندوق القومي الفلسطيني:
1 ـ الصندوق القومي يتولى ادارة الموازنة العامة للمنظمة.
2 ـ يجب وضع خطة لزيادة الإيرادات العائدة للصندوق القومي.
الدوائر والمؤسسات:
1 ـ الدوائر والمؤسسات بحاجة إلى وضع هيكليات وبرامج وموازنات.
2 ـ احياء مراكز الأبحاث ومركز التخطيط.
3 ـ تعيين كفاءات مؤهلة للعمل في الدوائر والمؤسسات في الداخل والخارج.
المجلس التشريعي السابق رفض تعديلا دستوريا يجيز الإستفتاء
13/6/2006
دراستين قانونيتين لا تجيزان لعباس استفتاء الفلسطينيين
المجلس التشريعي السابق رفض تعديلا دستوريا يجيز الإستفتاء
ـ إذا كان الأصل هو الإباحة تستطيع الحكومة أيضا تنظيم الإستفتاء الذي تريد
ـ قرار عباس استفتاء الشعب على وثيقة الأسرى منعدم ولا يرتب أي أثر قانوني
عمان ـ شاكر الجوهري:
خلصت دراستان قانونيتان الى عدم قانونية قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس اجراء استفتاء شعبي على وثيقة مشروع الوفاق الوطني الذي أعده خمسة من الأسرى الفلسطينيين في سجن هداريم الإسرائيلي ليكون ارضية للحوار الفلسطيني, ثم انسحب اثنان منهم.
الدراسة التي اجرتها شعبة الدراسات القانونية في مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان خلصت الى عدم وجود نص في القانون الأساسي الفلسطيني يبيح لرئيس السلطة اجراء استفتاء شعبي, وبذلك, فإن قراره هو في حكم المنعدم.
أما الدراسة الثانية فقد أعدتها رولا سرحان الباحثة في المجلس التشريعي الفلسطيني, والدكتور عصام عابدين المستشار القانوني في المجلس نفت أن يكون الأصل في القانون هو الإباحة دائما. وقالت الدراسة لو كان الأمر كذلك لما اقترح على المجلس التشريعي السابق في تعديلات القراءة الأولى لمشروع قانون معدل للقانون الأساسي لعام 2003 استحداث نص دستوري في شأن الإستفتاء العام يعطي هذا الحق لرئيس السلطة.
وخلصت الدراسة الى أنه إذا كان لا بد من اجراء استفتاء عام, فلا بد من توافق الفصائل والقوى السياسية على ذلك, وأن يدري الإستفتاء على أسس قانونية لا تفسح المجال أمام عدم الإعتراف به.
دراسة مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان جاء فيها:
يحاول هذا البحث القانوني الموجز للقرار المشار إليه أعلاه بيان الأساس القانوني والسند التشريعي إن وجد لهذا القرار في ظل النظام القانوني للسلطة الفلسطينية وهو يبين الرأي القانوني سواء بعدم دستورية و/أو قانونية مثل هذا القرار و/أو العثور على أي أساس قانوني له وذلك وفقاً للتفصيل الوارد في البنود التالية.
أولاً: ماهية الكيان الفلسطيني الناشئ/ السلطة الفلسطينية (الكيان و/أو الدولة)
تتكون من سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية وينظم عمل هذه السلطات ويحدد العلاقة فيما بينها وصلاحيات كل سلطة وحدودها (دستور) النظام الأساسي وينبثق عنه مجموعة تشريعات تنظم مختلف نواحي الحياة وبشكل محدد فإن النظام السياسي (الدستوري والقانوني) للكيان الفلسطيني هو نظام نيابي ديمقراطي أي أن الشعب هو الذي يحكم ويدير شؤونه عبر ممثلين له (المجلس التشريعي)، حسب المادة (5) من القانون الأساسي.
ثانياً : ملخص الوقائع
الكيان الفلسطيني – نشأ من خلال مفاوضات باشرتها إحدى مؤسسات الشعب الفلسطيني وهي منظمة التحرير والتي تشكل حركة "فتح" الحركة الأكثر تمثيلاً فيها ويوجد بعض الحركات الشعبية الفلسطينية الأخرى داخل إطار المنظمة والبعض الآخر غير ممثل في المنظمة وخاصة حركتي "حماس" والجهاد.
بتشكيل الكيان الفلسطيني الجديد (السلطة الوطنية ) استمر هذا الواقع وبسيطرة واحتكار أكثر لحركة "فتح" ودون اندماج تنظيمي و/أو قانوني بين المنظمة والسلطة، حيث لا يوجد أي نص في القانون الأساسي (الدستور) يشير إلى المنظمة وصفتها في الكيان القانوني والسياسي الفلسطيني الجديد (السلطة)، وبتطور الأحداث ودخول حركة "حماس" بنسبة (60%) في المجلس التشريعي وتشكيلها للحكومة انكسر احتكار وسيطرة حركة "فتح" لواقع الكيان الفلسطيني (السلطة) ومؤسساته، وببروز الاختلاف البرامجي بين الفريقين حاولت "فتح" اللجوء لحسم وفرض سيطرتها واستعادة احتكارها للقرار الفلسطيني من خلال المنظمة، وباكتشافها أن لا مرجعية قانونية للمنظمة بالنسبة للكيان الفلسطيني الجديد (السلطة) وفقاً للقانون الأساسي للسلطة (الدستور) لجأت حركة "فتح" لخيارات عديدة منها إصدار قرارات من خلال موقع الرئاسة (الفتحاوية) ومثال ذلك (المعابر، الأمن، الإعلام...)، ولدى التدقيق القانوني تبين أن الكثير من هذه القرارات لا تستند إلى أساس قانوني سليم ثم أن بعضها متجاوز لحدود الصلاحيات، وحتى لو وجد لبعضها أساس في القوانين الأخرى (وليس القانون الأساسي)، فإنه يشكل مخالفة دستورية مستوجبة للإلغاء وعدم النفاذ ذلك أن الرئاسة الفلسطينية الحالية (الفتحاوية) اكتشفت في خضم النزاع على الصلاحيات أن موقع الرئاسة محددة صلاحياته على سبيل الحصر في القانون الأساسي فقط، وبخلاف ذلك تعتبر أي ممارسة غير دستورية وخارجة عن إطار الشرعية القانونية (المواد 38+63 من القانون الأساسي).
وباستمرار النزاع بين البرنامجين (صلاحيات، سياسية، أمنية....) لجأت الجهة المحتكرة للقرار سابقاً (فتح) من خلال موقع الرئاسة إلى فكرة الاستفتاء الشعبي على ورقة عمل سياسية، تقدم بها بعض المعتقلين في بعض سجون العدو، (قد يرد اعتراض على مدى تمثيلها لهذه الفئة والصلاحية لمثل هذه الأوراق داخل السجون مع التقدير للأشخاص) على الشعب الفلسطيني وذلك كمحاولة لفرض برنامج معين بعد أن خسرت هذه الجهة (فتح) المواقع السابقة (الاحتكار) وبعد أن اكتشفت خلو القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) من أي مرجعية لمنظمة التحرير التي تسيطر "فتح" فيها على القرار، وكذلك بعد أن اكتشفت و/أو ظهر للكافة حدود صلاحيات كل فريق في الكيان الفلسطيني وبيان أن الكثير من قرارات الرئاسة (الفتحاوية) ليس لها أي سند دستوري و/أو قانوني و/أو أنها متجاوزة حدود الصلاحيات فليس من المعقول أن يدير رئيس دولة معبر بالإضافة للمخالفة القانونية.
ثالثاً: في الجانب الدستوري والقانوني
نصت المادة (5) من القانون الأساسي الفلسطيني على أن (نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي ...).
ومعنى النظام الديمقراطي النيابي أن الشعب لا يحكم نفسه بنفسه كما هو الحال في الديمقراطية المباشرة وإنما يحكم الشعب نفسه بواسطة نواب له أو ممثلين عنه ولمدة محدودة، ومن ثم تنحصر وظيفة المواطنين السياسية باختيار النواب لمباشرة شؤون الحكم.
والنظام الديمقراطي النيابي هو أحد صور الديمقراطية الثلاث وهي الديمقراطية المباشرة، الديمقراطية شبه المباشرة، الديمقراطية النيابية، ولكل صورة أركان ومظاهر تميزها عن الأخرى.
فالديمقراطية المباشرة تعتمد على ممارسة الشعب لسيادته بدون وسيط وتطبيقها مستحيل من الناحية العملية، والديمقراطية شبه المباشرة تشرك الشعب في ممارسة السلطة بجوار الهيئة النيابية وتجعله رقيباً عليها وعلى السلطة التنفيذية كذلك، والديمقراطية النيابية تقوم على أساس انتخاب هيئة نيابية تمثل الشعب وتضطلع بمهام الحكم نيابة عنه.
وما يهمنا هنا الحديث عن مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة والديمقراطية النيابية.
توجد ثلاثة مظاهر للديمقراطية شبه المباشرة متفق على تعارضها تماماً مع النظام النيابي هي:
الاستفتاء الشعبي.
الاعتراض الشعبي.
الاقتراح الشعبي.
ويطلق عليها مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة الكاملة.
ويقصد بالاستفتاء الشعبي (أخذ رأي الشعب في شأن من الشؤون العامة، حيث يعرض هذا الأمر على الناخبين لأخذ أصواتهم بنعم أو لا، أو بأي صيغة تعبر عن رأي الشعب).
كما توجد ثلاثة مظاهر أخرى مختلف عليها هي:
حق إقالة النائب.
حق حل البرلمان .
حق عزل رئيس الجمهورية.
وتسمى مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة الجزئية .
أما مظاهر أو أركان النظام النيابي وهو ما أخذ به القانون الأساسي الفلسطيني فهي:
وجود هيئة نيابية (مجلس تشريعي) منتخب ذات سلطة فعلية.
مدة نيابة المجلس التشريعي عن الأمة فترة محدودة.
النائب في المجلس التشريعي يمثل الأمة كلها.
استقلال المجلس التشريعي أثناء مدة نيابته عن هيئة الناخبين.
وفي هذه الحالة (الفلسطينية)، ووفق النظام النيابي ينحصر مظهر اشتراك الشعب في الحكم في عملية انتخاب أعضاء المجلس التشريعي وبعد انتهاء عملية الانتخابات لا يباشر الشعب أي سلطة قانونية وإنما يتولى المجلس التشريعي ممارسة السلطة باسم الشعب ونيابة عنه، ولا يكون للشعب الاشتراك مع النواب في ممارسة مهام العضوية ووظائف السلطة كما هو الحال في النظام الديمقراطي شبه المباشر، ولا الأخذ بأي مظهر من مظاهره، ومن ثم فلا يكون للناخبين في النظام النيابي حق الاعتراض على القوانين التي يوافق عليها المجلس التشريعي, كما لا يكون لهم أيضاً حق عزل النائب طيلة مدة عضويته في المجلس أو حل المجلس، كما لا يملكون حق المشاركة في إبداء الرأي عن طريق الاستفتاء الشعبي أو الاقتراح الشعبي أو الاعتراض الشعبي، لأن النظام النيابي يختلف عن النظام الديمقراطي شبه المباشر في مظاهره وأركانه، وكون القانون الأساسي الفلسطيني في المادة (5) منه أخذ بالنظام النيابي الديمقراطي كنظام حكم ولم يعتمد النظام الديمقراطي شبه المباشر يصبح موضوع الاستفتاء الشعبي حول وثيقة الأسرى مخالف للدستور وبشكل صريح، ولا يجوز اللجوء إليه، مع الأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:
الدستور الفلسطيني (القانون الأساسي) هو الذي يحدد صلاحية كل مؤسسة وكل موقع في الكيان الفلسطيني (السلطة).
حيث حدد هذا الدستور (القانون الأساسي) شكل النظام السياسي والدستوري الفلسطيني بأنه نظام نيابي ديمقراطي المادة (5) من القانون الأساسي، فقد انبثق عن ذلك أن ممثلي الشعب الفلسطيني المنتخبين ديمقراطياً (المجلس التشريعي) يمتلكون الولاية العامة في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية (المواد 38، 63) ويمتنع على أي سلطة أخرى مزاحمتها على هذه الصلاحيات، كذلك فقد حدد هذا القانون الأساسي (الدستور) أن الولاية العامة التنفيذية هي للحكومة الحائزة على ثقة البرلمان، ويمتنع على أي جهة مزاحمتها على صلاحياتها الدستورية (المواد 38و 63)، وكذلك القضاء وجاء القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) واضحاً وصارماً في ذلك, كما جاء محدداً لصلاحيات موقع الرئاسة على سبيل الحصر فهو موقع دستوري تمثيلي للكيان الفلسطيني وذو صلاحيات محددة (وخاصة وفق المواد 38 و 63).
وعليه فإن الصلاحيات الواردة في القانون الأساسي لرئيس السلطة أو رئيس الحكومة أو المجلس التشريعي وردت على سبيل الحصر والتحديد وفقاً للقاعدة الدستورية التي تقول أنه (لا صلاحية دون نص)، ولم يرد في القانون الأساسي ما يشير إلى جواز أو وجوب الأخذ بنظام الاستفتاء الشعبي، ومن هي الجهة صاحبة الصلاحية في ذلك، كما هو الحال في الدستور المصري الذي أخذ بنظام الاستفتاء الشعبي في المادة (74) منه، والدستور السوري في المادة (112)، والدستور التونسي في المادة (47)، والدستور الجزائري في المادة (77)، والدستور اليمني في المادة (119).
سنداً لما سبق ذكره, وباستعراض كافة نصوص القانون الأساسي الفلسطيني والتشريعات والقوانين الأخرى, لم نجد أي نص يعطي موقع الرئاسة الصلاحية في إصدار قرار بعرض وثيقة الأسرى و/أو أي قرار إلى الاستفتاء الشعبي، ذلك أن أي ممارسة دستورية يجب أن تستند إلى سند دستوري وقانوني محدد, حيث أن القرارات الدستورية والقانونية للكيانات والدول تختلف عن تصرفات الأفراد.
وحيث أن دولة المؤسسات والقانون يجب، وعلى سبيل الإلزام، أن تتم جميع تصرفاتها القانونية عبر قنوات دستورية وقانونية واضحة ومحددة، ويمتنع على أي سلطة و/أو موقع في دولة المؤسسات والقانون اتخاذ أي قرارات و/أو تصرفات فوضوية وخارجة عن إطار الشرعية الدستورية والقانونية, مع التأكيد على أن الولاية العامة في التشريع والرقابة في الكيان الفلسطيني للمجلس التشريعي، والولاية العامة في الأمور التنفيذية للحكومة، والقضاء يتولى الولاية العامة في الفصل في النزاعات القانونية، وأن صلاحيات موقع الرئاسة محددة على سبيل الحصر في القانون الأساسي حسب المادة ( 38 والتي تنص على : (يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون).
وعليه فإن إجراء أي استفتاء شعبي في فلسطين هو مخالفة قانونية ودستورية صريحة, وهذا ما ينسحب على إجراء الاستفتاء الشعبي حول وثيقة الأسرى.
استناداً إلى ما سبق ذكره من ركائز دستورية وقانونية فإن القرار المعلن عنه من خلال موقع رئاسة السلطة الفلسطينية محل البحث يعتبر:
غير دستوري وخارج عن إطار الشرعية القانونية ولا يستند إلى أي نص قانوني و/أو صلاحية.
إن هذا القرار وما ينتج عنه لا يتمتع بأي قيمة قانونية و/أو دستورية و/أو إلزامية لصاحب الولاية العامة, والاختصاص الدستوري وهم السلطة التشريعية و/أو الحكومة.
إن مثل هذا القرار المشوب بعيب إساءة استعمال السلطة يعتبر قراراً منعدماً، ولا يرتب أثراً قانونياً، ويعتبر سبباً للإخلال بالنظام الدستوري والقانوني، ومدخلاً للعبث في المؤسسات الدستورية.
يستطيع موقع الرئاسة مخاطبة السلطة التشريعية لاتخاذ القرار بخصوص موضوع وثيقة الأسرى أو غيرها مرفقاً ملاحظاته بالخصوص.
استدراكاً لهذه الفوضى القانونية والدستورية تستطيع الحكومة و/أو السلطة التشريعية اتخاذ القرارات التالية:
إصدار قرارات و/أو قوانين في المواضيع محل البحث والتي تناولتها وثيقة الأسرى و/أو استصدار وثيقة من الأسرى أو غيرهم أخرى، وقد يطلب من خلالها العرض على المجلس التشريعي و/أو ترك الصلاحية للحكومة.
استباق الاستفتاء بقرار و/ أو قانون ينظم الاستفتاء و/أو يعطل مفعول أي استفتاء سواء من خلال الحكومة و/أو المجلس التشريعي.
الخلاصة
نجد في نهاية البحث والدراسة أن هذا القرار لا يستند إلى أي نص دستوري و/أو قانوني وهو قرار منعدم وغير مرتب لأي أثر قانوني.
دراسة المجلس التشريعي
أما دراسة المجلس التشريعي, فقالت:
ظهرت على إثر إعلان الرئيس محمود عباس " أبو مازن " بتاريخ 25/5/2006م عن أنه سيلجأ إلى الاستفتاء العام فيما لو لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الفصائل خلال مؤتمر الحوار الوطني، وجهتا نظر، إحداهما داعمة لإجراء الاستفتاء وأخرى معارضة له. والسند في الرأي الأول بمجمله سياسي، وفيه قليلٌ من القانون، فيما الرأي الثاني قانوني فيه قليلٌ من السياسية.
ورغم كون الأمرين؛ السياسي والقانوني، متلازمين لا ينفصلان، فإن هنالك محاولة لفصلهما عن بعضهما البعض، وخاصة فيما يتعلق بالرأي الأول، على اعتبار أن الأمر القانوني غير ذي أهمية، في ظل الوضع الفلسطيني الراهن الذي يُعاني عزلة وضائقة اقتصادية خانقة، علاوة على الخلاف الحاد في الرؤى والبرامج السياسية بين حركتي "فتح" و"حماس".
وحريٌ في هذا الصدد، دراسة الرأي السياسي بشيء من التدقيق لكونه يحظى بتأييدٍ كبيرٍ من قبل كل من يرى في الاستفتاء وسيلة للخروج من الأزمة الراهنة وحلحلة للوضع السياسي القائم؛ ولكون الاستفتاء أمراً جديداً على آلية صناعة القرار في الساحة الفلسطينية؛ إضافة إلى أن الأسانيد المطروحة لجهة تأييد إجرائه تفتقر إلى الدقة في مجملها، وأحياناً إلى الموضوعية، إذ ترتكز على الآتي:
أولاً: أنه ليس هنالك ما يمنع الرئيس من إجراء الاستفتاء، انطلاقاً من القاعدة الشرعية التي تقول بأن (( الأصل في الأمور الإباحة، ما لم يرد نص بالتحريم ))، ما يعني جواز اللجوء إلى الاستفتاء من قبل مؤسسة الرئاسة، لعدم وجود ما يحظر ذلك.
ثانياً: أن النظام السياسي الفلسطيني نظام نيابي، يعتمد على التعددية السياسية والحزبية والمشاركة في الحكم عبر الاستفتاء، بالاعتماد على المادتين (5) و(26) من القانون الأساسي.
ثالثاً: أن القانون الأساسي قد أعطى رئيس السلطة الحق في إعلان حالة الطوارئ وفرض القيود على الحقوق والحريات الأساسية، وما دام الأمر كذلك، فإنه من باب أولى ومن مفهوم المخالفة أن يكون للرئيس الحق بالرجوع إلى الشعب عبر الاستفتاء، بما يعزز تلك الحريات.
رابعاً: أن الاستفتاء هـو شـأن سياسـي أولاً وأخيراً، لكونـه ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة للخروج من الأزمات.
وفي شأن الآراء الواردة أعلاه، نُبدي الملاحظات القانونية والسياسية التالية:
حول أن الأصل في الأمور الإباحة
إن الاستناد في قانونية إجراء الاستفتاء إلى القاعدة الشرعية التي تقول بأن (( الأصل في الأمور الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم )) هو غير ذي صلة في هذا المقام، ذلك أنه لا يؤدي الغرض من الاستناد إليه. إذ إن الأصل في القانون الدستوري هو أن يتم تنظيم عمل السلطات الثلاث وصلاحياتها واختصاصاتها بنصوص ترد في متن الدستور لترسم حدود وضوابط الإباحة أو التحريم أو التقييد. وبالتالي، فإن الأصـل فـي تنظيم عملية الاستفتاء هو إيراد نص بشأنها، والقول بأن عدم إيـراد نص بـ " تحريم " إجراء الاستفتاء يعني ضمناً " إباحة " اجرائه يخالف الاتجاه السائد والمستقر في الدساتير المقارنة وفي الفقه الدستوري أيضاً. ذلك أن الدول التي تأخذ بطريق الاستفتاء سبيلاً لفض النزاعات الناشبة بين السلطات السياسية إنما تنحو باتجاه تضمين دساتيرها نصوصاً واضحة وصريحة بشأن تنظيم عملية الاستفتاء. وذلك هو الحال في الدستور الفرنسي من خلال المواد (11) و(89) وكذلك القانون الأساسي الألماني في المواد (29) و(118) والدستور الأسترالي والدستور الايرلندي وغيرها من الدساتير. فضلاً عن ذلك، فإن الدول التي لا تأخذ بأسلوب الاستفتاء لا تُضمن دساتيرها مواد في هذا الشأن، وكذلك هو الحال في كل من الولايات المتحدة وهولندا والأردن وغيرها من الدول.
وإذا كان الاستفتاء يحتاج إلى إطار دستوري عام يمنحه الشرعية الدستورية، فإنه يحتاج في ذات الوقت إلى قانون ينظم عملية الاستفتاء وإجراءاته من ألفها إلى يائها. وبالنتيجة، فإن الغطاء الدستوري والقانوني للإستفتاء هو الذي يمنحه الشرعية الكاملة، والعكس صحيح. وهذا هو الأساس أو المعيار أو الضابط الذي يتم من خلاله التعرف على الجوانب الأساسية والجوهرية في شأن عملية الاستفتاء؛ وأبرزها: الجهة المخولة بالدعوة إلى الاستفتاء، والجهة المخولة بإجرائه، وموضوع الاستفتاء على وجه التحديد، ونتيجة الإستفتاء إن كان ملزماً أم استشاريا، ومدى مشاركة القضاء في الرقابة والإشراف على عملية الاستفتاء برمتها، وغيرها من الجوانب والمفاهيم الجوهرية في شأن الاستفتاء.
علاوة على ذلك، فإن الأصل في القاعدة الشرعية المذكورة، إذا ما أُخذ بها، أن تقوم على الإطلاق لا على التقييد، أي بمعنى أنها تقوم على إطلاق الصلاحيات وعموميتها، وبما أن صلاحيات رئيس السلطة الوطنية مقيدة في القانون الأساسي المعدل من خلال نص المادة (38) والتي جاءت على النحو التالي: (( يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون ))، فإن هذه القاعدة الشرعية لا تنطبق على صاحب الصلاحيات القانونية الحصرية المؤكد عليها في النص الدستوري أعلاه، ما يعني أنه ليس من حق الرئيس ولا من صلاحياته الدستورية إجراء الاستفتاء غير المنصوص عليه وغير المبين في القانون الأساسي المعدل.
كما أن الاستناد إلى قاعدة أن " الأصل في الأمور الإباحة " قد يعني في الحالة الفلسطينية أن أيّ سلطة من السلطات الثلاث يحق لها الدعوة لإجراء الاستفتاء، إذ يحق للمجلس التشريعي أو الحكومة لاحقاً أن تطلق دعوة مماثلة لعـدم وجود نص فـي القانون الأساسي المعدل يمنعهما من اللجوء لاتخاذ إجراء مماثل. وخاصة إذا ما أُخذ بالسند الضعيف الذي تستند إليه الآراء المؤيدة لقانونية الاستفتاء، والمذكور في المادة (2) من القانون الأساسي والتي جاءت بالآتي: (( الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي)). ما يعني، أنه ليس هنالك ما يحول أمام السلطة القضائية أو السلطة التشريعية أو التنفيذية من الدعوة لإجراء مماثل.
وهذا القول مردودٌ عليه، ذلك أن التأكيد علـى ممارسة الصلاحيات يتم تحديده في نصوص القانون الأساسي، بل تم تحديده فعلاً فـي نص المادة (2) ذاتها بعبارة (( على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي )) !! ومعنى عدم تحديد النصوص الدستورية للجهة المخولة، على وجه الخصوص، بالدعوة لإجـراء الاستفتاء، أن القانـون الأساسي المعدل لـم يمنح هـذه الصلاحيـة الدستوريـة لأيّ من السلطات الثلاث.
بل على العكس مـن ذلك، فإذا اسقطنا الإطلاق الوارد في قاعدة (( الأصل في الأعمال الإباحـة )) على القانون الأساسي في شأن الاستفتاء، لا سيما بعد التعديلات الجوهرية التي جرت عليه عام 2003م، فإن قراءة دقيقـة لتوزيع الصلاحيات في القانون الأساسي المعدل، توضح أن الصلاحيات الممنوحة للحكومة الفلسطينية هي " أكثر اطلاقاً " من الصلاحيات الممنوحة لمؤسسة الرئاسة. ففي الوقت الذي يتم فيه حصر صلاحيات الرئيس في المادة (38) من القانون الأساسي، تُعيد المادة (63) من ذات القانون الأساسي التأكيد على هذه الصلاحيات الحصرية وتمنح صلاحيات غير مقيدة لمجلس الوزراء؛ إذ جاء النص الدستوري المذكور على النحو التالي: (( مجلس الوزراء ( الحكومة ) هو الأداة التنفيذية والإدارية العليا التي تضطلع بمسؤولية وضع البرنامج الذي تقره السلطة التشريعية موضع التنفيذ. وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسـي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء )).
ومن جانب آخر، فإذا سلمنا جدلاً بأن قاعدة (( الأصل في الأمـور الإباحـة )) تنطبق في هذا المقام، فلم اقترح المجلس التشريعـي السابق فـي " تعديلات القراءة الأولـى لمشروع قانـون معدل للقانون الأساسي لعام 2003م " التي أعدتها اللجنة القانونية لعرضها على المجلس التشريعي في جلسته المنعقدة يومي الأربعاء والخميس الموافق 9-10/11/2005م استحداث نص دستوري في شأن الاستفتاء العام جاء علـى النحو الآتي: (( 1. لرئيس السلطة الوطنية الدعوة لإجراء استفتاء عام وفقاً لأحكام القانون. 2. لا يتم إجراء استفتاء عام إلاّ بقانون، وتكون نتائجه ملزمة ونافذة إذا حازت على الأكثرية النسبية من أصوات المقترعين وعلى رئيس السلطة الوطنية إصدارها خلال أسبوعين من تاريخ إعلان النتائج النهائية )). ألم يكن بإمكان المجلس التشريعي السابق أن يكتفي بالقاعدة الشرعية السابقة دون اقتراح التعديلات أعلاه، ودون التأكيد على وجوب إدراج نص في القانون الأساسي المعدّل يشكل إطاراً دستورياً لعملية الاستفتاء، ويُحيل عملية تنظيمه إلى القانون؟!
وفي المقابل، هل يعني عدم وجود نص في القانون الأساسي المعدل يتعلق بإمكانية لجوء رئيس السلطة الوطنية إلى " حل البرلمان " والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة أن بإمكان الرئيس اللجوء إلى حل البرلمان انطلاقاً من قاعدة أن الأصل في الأمور الإباحة ؟! وإذا كان الحال كذلك، فليست هنالك حاجة إلى الدستور أو القانون الأساسي، بحيث يصبح بالإمكان الاكتفاء بقاعدة (( الأصل في الأمور الإباحة )), وقصر نصوص القانون الأساسي على المحظورات فقط دون توضيح الصلاحيات، وعندها تفقد النصوص الدستورية قيمتها وتُفرّغ من مضمونها، ونعود إلى المبادئ الشمولية في الحكم!!
ثم ألم يكن حرياً بالداعين لإجراء الاستفتاء العام - دون سند دستوري وتنظيم قانوني - أن يسترشدوا بالتجربة المصرية في هذا الشأن عبر محاكاتها، خاصة وأن معظم التشريعات الفلسطينية مقتبسة عن التشريعات المصرية وتحذو حذوها. فالتجربة المصرية، غنية في شأن الاستفتاء، ودستورها نص في المواد (62) و(74) و(88) و(127) و(152) على موجبات الدعوة للاستفتاء، وآليات اجرائه، ومدى الزاميته، والتبعات المترتبة عليه، مؤكداً على إحالة تنظيم عملية الاستفتاء برمتها إلى القانون مع وجوب أن يُشرف القضاء عليه للتأكد من سلامة كافة الإجراءات الدستورية والقانونية لعملية الاستفتاء.
وصفوة القول، إنه إذا جرى الاستفتاء دون أساس دستوري وتنظيم قانوني، فإن المسألة برمتها ستكون مفتقرة إلى الحد الأدنى من السند الشرعي الذي يمكن الدفاع عنه.
حول أن الشعب مصدر السلطات
لا خلاف على أن الشعب هو منبع السلطات وأساسها، وأن المرجعية العليا هي للشعب، وهو صاحب سلطة الحُكم وله السيادة والكلمة العليا في تصريف أموره وإدارة شؤونه. لذلك، وعلى هذا الأساس جرى التوافق بين أفراده على تنظيم هذه السيادة من خلال " العقد الاجتماعي " فيما بينهم والمُعبّر عنه من خلال الدستور الناظم لأسس العلاقة بين الفرد والدولة، وبين مؤسسات الدولة فيما بينها. فلا تعارض بين مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات وبين ممارسة هذا الفعل السيادي، الذي يجب أن ينظم من خلال الدستور، وإلاّ انتفت الحاجة إلى الأخير وعدنا بالإنسان مجدداً إلى حالة الطبيعة.
ولهذا كله، أوردت الدساتير، على اختلافها، نصاً يؤكد على أن الشعب هو صاحب السيادة، باعتبار أن هذا الأمر من الأمور المستقرة في الفقه الدستوري. فالدستور الفرنسي أكد في مادته الثالثة على أن: (( السيادة الوطنية هي ملك للشعب الذي يمارسها بواسطة ممثليه وعن طريق الاستفتاء)). وأشار الدستور المصري في مادته الثالثة إلى أن: (( السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور )). والمعنى المقصود من أن الشعب هو صاحب السيادة, أن السيادة مملوكة لمجموع أفراد الشعب. وأن الحُكم، وفق مبدأ سيادة الشعب، هو تعبير عن ارادتهم ويقوم على مساهمتهم، وليس بمعزل عنهم، بحيث تُقرر أساليب مشاركته في الحُكم من خلال الدستور الذي يعتبر الناظم لهذه المشاركـة السياديـة.
وهذا ما جاء عليه الحال في القانون الأساسي الفلسطيني الذي أكد في مادته الثانيـة علـى أن: (( الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي )).
وبالتالي، فليس المقصود بسيادة الشعب أن يقوم الشعب بممارسة سيادته دون ضابط دستوري، وإنما المقصود أن السيادة مرتبطة بالشعب ولصيقة به وقام " بتفويضها " إلى السلطات الثلاث لممارستها بالنيابة عنه، وتم تنظيمها من خلال الدستور، وإلاّ لما كانت هنالك حاجة للدستور أصلاً ما دام الشعب سيمارس سيادته دون ناظم !! والأمر كذلك في شأن الاستفتاء فعبارة (( يمارس الشعب سلطاته على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي )) إنما تؤكد على ضرورة النص على آلية ممارسة هذه السلطة، ومنها الاستفتاء الذي يجب أن يُنظم دستورياً.
علاوة على ذلك، فإن الاستناد في إجراء الاستفتاء إلى نص المادة (26) من القانون الأساسي المعدل والتي تتعلق بالمشاركة في الحياة السياسية قد تم على نحو مجتزأ وبغير تدقيق، لأن النص الدستوري المذكور قد جاء على وجه " التخصيص " لا على وجه الإطلاق ودون أية ضوابط، وذلك بهدف رسم الإطار الناظم لهذه المشاركة السياسية، إذ جاء النص على النحو التالي: (( للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفراداً وجماعات ولهم على وجه الخصوص الحقوق الآتية: 1. تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقاً للقانون 2. تشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والأندية والمؤسسات الشعبية وفقاً للقانون 3. التصويت والترشيح في الانتخابات لاختيار ممثلين منهم يتم انتخابهم بالاقتراع العام وفقاً للقانون 4. تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص 5. عقد الاجتماعات الخاصة دون حضور أفراد الشرطة. وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون)).
وجميع الحقوق المذكورة أعلاه تنضوي في إطار الحقوق والحريات العامة، وتأتي في إطار تنظيم كيفية المشاركة في الحياة السياسية ورسم معالمها، فهي لا تمارس جزافاً، بل يجب أن ينظمها القانون بصريح النص الدستوري المذكور. وعليه، فإن الاستناد لهذا النص في سبيل " شرعنة " اللجوء للاستفتاء إنما هو محاولة للخروج على إرادة المشرّع الدستوري الواضحة والصريحة. ولو أراد المشرّع الدستوري إدراج نص صريح على الاستفتاء، لما تردد في ذلك، أمّا القياس في هذا الشأن فهو تأويلٌ بعيدٌ لا يجوز قانوناً التعويل عليه.
وإذا كان الأمر بخلاف ذلك، فلماذا تؤكد المادة (62) من الدستور المصري على حق المواطنين بالمشاركة في الحياة السياسية وفي الوقت ذاته تنص صراحة على الاستفتاء العام؟! ولماذا ينص الدستور الفرنسي أيضاً على حق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية وفـي ذات الوقت تنص المواد (3) و(11) و(89) صراحة على الاستفتاء العام ؟! يبدو أن المشرّع الدستوري المصري والفرنسي يختلفان مع أصحاب الاجتهادات المؤيدة للاستفتاء الدستوري من هذا الجانب.
والأصلُ، أن الاستفتاء العام والانتخابات العامة وجهان لعملة واحدة، وإذا كان القانون الأساسي المعدل قد رسم الإطار الدستوري للانتخابات العامة عبر المواد (26/3) و (48) ونظمها بقانون هو قانون الانتخابات العامة رقم (9) لسنة 2005م، فإن أصول القياس الصحيح لاتحاد العلّة تقتضي أن يتم تحديد الإطار الدستوري الناظم لعملية الاستفتاء بذات الكيفية التي تمت عليها مسألة الانتخابات العامة.
علاوة على ذلك، فلا بد من التأكيد على مسألة هامة مفادها أن لجنة الانتخابات المركزية غير مخولة قانوناً بالقيام بتنظيم عملية الاستفتاء العام. وذلك، لأن مهام وصلاحيات لجنة الانتخابات واردة على نحو حصري في قانون الانتخابات العامة رقم (9) لسنة 2005م. ما يعني، أن أية صلاحيات إضافية للجنة لا تتم إلاّ بقانون أو بتعديل على قانون الانتخابات. ومن نافلة القول، أن المرسوم أو القرار الرئاسي لا يقوى على تعديل القانون استناداً إلى أصول تدرّج القاعدة القانونية من حيث القوة الإلزامية.
حول الاستفتاء وحالة الطوارئ
من ضمن الأسانيد التي تقدمها وجهة النظر المؤيدة لإجراء الاستفتاء، أنه يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ واللجوء إلى الاستفتاء خلال تلك الفترة دون الحاجة للرجوع إلى المجلس التشريعي. فضلاً عن أنه وإن كان يحق للرئيس خلال فترة الطوارئ أن يفرض بعض القيود على الحريات العامة، فإنه من باب مفهوم المخالفة يستطيع أن يعزز هذه الحريات في غير فترات حالة الطوارئ، ما يعني إمكانية اللجوء للاستفتاء.
وهذا السند مردودٌ عليه، لأن السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) تستطيع العمل على تعزيز الحريات العامة أيضاً، كما أن هنالك اسباباً موجبة لإعلان حالة الطوارئ تضمنتها أحكام المادة (110) من القانون الأساسي وردت على سبيل الحصر وعلى النحو التالي : (( 1. عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية يجوز إعلان حالة الطوارئ لمدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً. 2. يجوز تمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً أخرى بعد موافقة المجلس التشريعي الفلسطيني بأغلبية ثلثي أعضائه. 3. يجب أن ينص مرسوم إعلان حالة الطوارئ بوضوح على الهدف والمنطقة التي يشملها والفترة الزمنية. 4. يحق للمجلس التشريعي أن يراجع الإجراءات والتدابير كلها أو بعضها التي اتخذت أثناء حالة الطوارئ لدى أول اجتماع عند المجلس عقب إعلان حالة الطوارئ أو في جلسة التمديد أيهما أسبق وإجراء الاستجواب اللازم بهذا الشأن )).
وبالتالي، فإن هنالك، أولاً، حالات حصرية لإعلان حالة الطوارئ متمثلة في الحرب أو الغزو أو العصيان المسلح أو الكوارث الطبيعية، وهذه الحالات تندرج في إطار الاستثناء، والاستثناء لا يقاس عليه أصلاً. وثانياً، أن ما يتم اتخاذه من إجراءات خلال فترة الطوارئ يتم مراجعته من خلال المجلس التشريعي بتأكيد النص الدستوري المذكور. وثالثاً وهو الأهم، هل من الطبيعي أن يجري الاستفتاء في حالات الطوارئ؟ فهل يستفتى الشعب مثلاً في حالات الكوارث الطبيعية، أو في حالات الجوع، أو في حالات العصيان المدني والحرب الأهلية؟ فهل من الطبيعي أن تقوم الحكومة الأندونيسية بالدعوة لإجراء استفتاء في ظل كارثة تسونامي مثلاً ؟ وهل من الطبيعي أن تدعو حكومة الصومال لإجراء استفتاء في ظل المجاعة السائدة هناك؟ وهل بإمكان حكومة السودان في ظل الأوضاع السائدة في دارفور أن تدعو لاستفتاء؟ وبالقياس هل يُستفتى الفلسطينيون في حالة الحصار الاقتصادي الخانق المفروض عليهم ؟!
في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني
ترى وجهة النظر المؤيدة لإجراء الاستفتاء بأن طبيعة النظام السياسي تخوّل مؤسسة الرئاسة، اللجوء لإجراء الاستفتاء، وذلك لكون النظام السياسي الفلسطيني شبيه إلى حد كبير بالنظام السياسي الفرنسي الذي يمنح صلاحيات إجراء الاستفتاء للرئيس.
وعلى هذا السند، نردّ في اتجاهين؛ الأول أن النظام السياسي الفرنسي هو نظام شبه رئاسي لا خلاف بشأن طبيعته السياسية، وهو وعلى الرغم من أنه يميل في بعض الأحيان إلى تغليب الصلاحيات الرئاسية عندما يكون الرئيس مؤيداً بأغلبية برلمانية، إلاّ أنه ومع ذلك، تم تحديد الآلية والكيفية التي يتم من خلالها اللجوء إلى الاستفتاء، وذلك عبر نصوص صريحة وردت في متن الدستور.
أمّا الاتجاه الثاني، فيتمثل في صعوبة تحديد طبيعة النظام السياسي الفلسطيني بالاستناد إلى القانون الأساسي. ذلك أن هنالك ثلاث وجهات نظر في هذا الشأن؛ تطرح احداها أن القانون الأساسي يتشح بالغموض لجهة تحديد صلاحيات كل من مؤسستي الرئاسة ورئاسة الوزراء، بمـا يخلق نظاماً مختلطاً ( رئاسي – برلماني ) شبيه بالنظام السياسي الفرنسي. في حين تطرح وجهة النظر الثانية، رأياً مغايراً مفاده أن القانون الأساسي، وعلى إثر التعديلات التي جرت عليه عام 2003م، قد حدد صلاحيات كلا المؤسستين مانحاً الغلبة لرئاسة الوزراء على مؤسسة الرئاسة، فأصبح النظام السياسي الفلسطيني يميل أكثر باتجاه أن يكون برلمانياً. أمّا وجهة النظر الثالثة، فترى أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني تميل لأن تكون أقرب للنظام الرئاسي.
بالتالي، وبعيداً عن الأسانيد التي تقدمها كل وجهة نظر، فمن الضروري عدم الإطلاق والجزم بشأن تحديد طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، بما يبرر اللجوء لإجراء الاستفتاء. ذلك، أن ما ورد في المادة الخامسة من القانون الأساسي، والتي تستند إليه الآراء الثلاثة أعلاه، لا تجزم أبداً في شأن تحديد شكل النظام السياسي الفلسطيني، حيث جاءت على النحو التالي: (( نظام الحكم في فلسطين نظام ديموقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخاباً مباشراً من قبـل الشعب وتكون الحكومة مسؤولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي الفلسطيني )).
فعلى الرغم من أن المادة الخامسة قد أتت على ذكر طبيعة نظام الحكم، إلاّ أنها تسببت في إحداث اشكالية لجهة تفسيرها، فقد أضافت غموضـاً علـى طبيعـة النظام السياسي أكثر من توضيحـه. ذلك أن استخـدام مصطلـح " نيابي " فتح المجال أمام عـدة تفسيرات لهذا المصطلح. إذ يستند البعض إلى تفسير الفقه الدستوري لمصطلح " الديموقراطية النيابية " التي تتفرع عنها عدة أنظمة لتشمل النظام الرئاسي والنظام البرلماني ونظام الجمعية العمومية، والذي ينوب فيه مجموعة من الأشخاص، وفق أحد الأنظمة السابقة، محل الشعب في ممارسة مهام الحكم. في حين يعود البعض الآخر إلى تفسيرات أخرى في الفقه الدستوري، تساوي بين مصطلحي "النيابي" و"البرلماني". والنيابة هنا تعني، اتباع نظام برلماني يقوم على أساس أن الشعب ينتخب نواباً في البرلمان يمارسون سلطته باسمه ونيابة عنه، خلال مدة معينة يحددها الدستور، وتكون للحكومة الصلاحيات التنفيذية الأساسية في الدولة، ويكون الرئيس فخرياً.
أمّا الإشكالية الثانية، والتي خلقها النص الدستوري المذكور لجهة تحديد طبيعة النظام السياسي، فهي جعل الحكومة مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام الرئيس وأمام المجلس التشريعي. ما أدى إلى خلق حالة من الازدواجية في فهم طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، ذلك أنه، في النظم السياسية المعروفة، تكون الحكومة مسؤولة إمّا أمام الرئيس وإمّا أمام البرلمان. وليس في تجارب الدول المقارنة تجربة تجعل الحكومة مسؤولة أمام سلطتين ودون أن تكون جزءا من إحداها، كما هـو الحال في الوضع الفلسطيني على هذا الصعيد.
وبالنتيجة، لماذا أتت التفسيرات بشأن طبيعة النظام السياسي لتصب في جانب مؤسسة الرئاسة متجاهلة الاختلاف بشأن طبيعة هذا النظام السياسي، ومتجاهلة أيضاً السلطة التشريعية التي وردت بالنص الصريح في ذات المادة الخامسة التي تم الاستناد إليها ؟!
وفي الوقت ذاته، فإن الاجتهاد في تغليب إحدى السلطات الثلاث على السلطتين الأخريين، إنما يحتاج، بادئ ذي بدء، إلى نص صريح يمنح صلاحيات واضحة ومحددة لكل سلطة، يتم البناء على اساسها في جزم طبيعة النظام السياسي. وهذا يقتضي تعديلاً جوهرياً على القانون الأساسي الفلسطيني، بما يُقلل من حدة التجاذبات السياسية القائمة بين المؤسسات السياسية.
بالتالي، تبقى مسألة الحسم في شأن الاستفتاء بالاستناد إلى طبيعة النظام السياسي مسألة لا يمكن الفصل فيها، بحيث ليس بالإمكان تغليب صلاحيات إحدى السلطات على السلطات الأخرى وفقاً للأهواء والأمزجة السياسية السائدة.
حول أن الاستفتاء أمر سياسي محض
إن تأييد اللجوء إلى الاستفتاء بالقول إن الاستفتاء هو أمر سياسيٌ محضٌ، ليفتقر إلى الدقة والموضوعية في الحكم. كما أن التركيز على الجانب القانوني فقط دون السياسي لهو تركيز مجتزأ يفتقر إلى الرؤية الشاملة، ويُعد وسيلة لتمرير برامج ورؤى تتعلق بمصالح غير ذي صلة بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، ذلك أن الأمر هو في كليته " سياسيٌ- قانونيٌ "، فالأمران؛ السياسي والقانوني، لصيقان لا ينفصلان.
ومما لا شك فيه، أن الظروف والدوافع الأساسية التي كانت وراء إطلاق الدعوة لإجراء الاستفتاء هي سياسية محضة، جاءت نتيجة لتدهور الوضع الفلسطيني على المستويين الداخلي والخارجي، في ظل ازدياد حدة التجاذبات بين حركتي "فتح" و"حماس"، واستعصاء التوصل إلى حلّ بين الجانبين على أرضية الحوار والتوافق الوطني نظراً لاختلاف البرامج السياسية، وفي ظل ضغط دولي اقتصادي يهدف إلى زيادة حدة تلك التجاذبات بين الطرفين، لتحقيق مصالح استراتيجية، لا مجال لذكرها هنا.
إلاّ أنه، وعلى الرغم من سمو فكرة الاستفتاء، باعتبارها ممارسة ديموقراطية أصيلة، فإن الوضع الفلسطيني له خصوصيته التي تحتم أن يتم اللجوء إلى الاستفتاء عبر توافق وطني وعبر قنوات النقاش والحوار الجاد، فلا يجب أن يكون الاستفتاء غاية في حد ذاتها. بل يجب أن يكون الملجأ والملاذ الذي يجب أن يُفضي أولاً وأخيراً إلى التوصل إلى برنامج سياسي موحد، تُنبذ فيه المصالح الحزبية والفصائيلية الضيقة لكل جانب لصالح المصلحة الفلسطينية الواحدة، بهدف إخراج الحال الفلسطيني من مأزقه الراهن.
ذلك، أنه دون هذا الأمر سيفقد الاستفتاء قيمته الحقيقية، وستكون نتيجته غير ذات معنى، فيكون الاستفتاء مقدمـة لتصعيد الأوضـاع علـى الأرض لا لحلحلتها، فلا يكـون سوى الآليـة المفجرة للوضع المحتقن أصلاً.
فضلاً عن ذلك، فإن الاستفتاء إذا فقد جانبه القانوني وتم التمسك بجانبه السياسي فقط، فلن يكون ذا مغزى، فالمفترض أن يدعم الجانبُ القانوني الجانبَ السياسي عبر أساس قانوني واضح وصريح يمنح الشرعية للإستفتاء. فعلى فرض حدوث الإستفتاء، فليس من شأنه أن يفرض على أي طرفٍ الإلتزام بنتائجه وبالتبعات السياسية المترتبة عليه، عدا ذلك الاعتبار الأدبي الذي يمكن أن يتحلى به، الأمر الذي يفتح المجال أمام عدة سيناريوهات قاتمة للوضع الفلسطيني.
ومن بين تلك السيناريوهات المتوقعة، أن تأتي نتيجة الاستفتاء مؤيدة لبرنامج الرئيس السياسي، ويلجأ الرئيس حينها، فيما لو لم تلتزم "حماس" بنتائج الاستفتاء، إلى إقالة الحكومة، خاصة وأن صلاحياته في المادة (45) من القانون الأساسي تسمح له القيام بذلك، فقد جاء النص الدستوري المذكور على النحو التالي: (( يختار رئيس السلطة الوطنية رئيس الوزراء ويكلفه بتشكيل حكومته وله أن يقيله أو يقبل استقالته. وله أن يطلب منه دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد )).
فإذا ما رفضت الحكومة الفلسطينية الحالية الاستقالة بحجة عدم دستورية الاستفتاء، أو عدم إلزامية نتائجه، فإن الرئيس محمود عباس سيلجأ إلى اقالتها استناداً إلى صلاحياته المنصوص عليها أع |