الطائفية في العراق تنجز الأهداف الأميركية في سوريا وايران
شاكر الجوهري
هذا نداء لكل من يعنيهم الأمر..
في هذا الآن لا يجوز الإكتفاء بلعن من يوقظ الفتنة.. ذلك أن ما يجري العمل على دفع العراق إليه أمر بالغ الخطورة, لا يخدم غير المحتل الأميركي, فيما تشمل شروره كل دول الإقليم, وعلى الأخص سوريا وايران. وهذه هي الخطوة التالية في المخطط الأميركي.
منذ أن تمكنت القوات الأميركية من احتلال العراق, والجميع يتساءل: ما الهدف المقبل.. سوريا أم ايران..؟
حين بدأت الولايات المتحدة التحرش بالبلدين معا.. عاملة على اخراج القوات السورية من لبنان, ونزع سلاح المقاومة الوطنية اللبنانية, وعلى رأسها حزب الله, وفتح ملف المفاعلات النووية الإيرانية على مصاريعها.. وهو ما أعقب اندلاع المقاومة العراقية في وجه قوات الإحتلال, خرج من يقول: وهل تستطيع اميركا أن تفتح جبهة أخرى.. ثانية أو ثالثة في سوريا أو ايران..؟
السؤال بالغ الوجاهة, وهو ما يفرض حصافة كبيرة في الإجابة عليه.
إذا كان المعني بالسؤال ارسال قوات اميركية الى سوريا وايران, فإن اميركا لا تملك مثل هذه القوات ابتداء, وهي التي تعاني قواتها من عجز بشري في العراق ذاته. وإن قررت اميركا تشكيل قوات اضافية لترسلها الى ورطة سورية وأخرى ايرانية, الى جانب ورطتها المتفاقمة في العراق, فهذا ما يجب أن نتمناه كي تخرج الولايات المتحدة من حماقاتها وقد تراجع دورها في قيادة العالم الى دور دولة صغرى.
لكن استهداف سوريا وايران لا يكون فقط بإرسال الجيوش, إنما يمكن أن يكون بإشعال فتن تنتقل عدواها من العراق.
ولم لم تنتقل عدوى الحرب الأهلية من لبنان الى دول الجوار طوال خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية..؟
قد يطرح بعض الذين يروجون للفتنة في العراق, عن قصد أو دون قصد, هذا السؤال..
نقول لهؤلاء.. في لبنان كانت الحرب الأهلية بين مسلمين من جهة, ومسيحيين من جهة أخرى, وليس من بين مكونات المجتمعات المجاورة مكون مسيحي كبير نسبيا, يعاني من الظلم, أو قادر على شن حرب, في حين أن المسلمين لم يكونوا في وارد اشعال الفتن والحروب.
وفي مراحلها النهائية, حين انحصرت الحرب الأهلية اللبنانية بين تنظيم لم يعد يمثل طائفة اسلامية بعينها, ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين, لم يكن ممكنا انتقال العدوى الى خارج لبنان, لأن التنظيم المعني, بإشعاله لحرب المخيمات, وبظهور حزب الله لم يعد يحتكر تمثيل طائفته, فضلا عن أن وجود هذه الطائفة الكريمة, وكذلك الفلسطينيين ومنظماتهم في الدول الأخرى محدود لدرجة لا تتيح الإقتتال في ظل دول تستطيع أن تحافظ على أمنها واستقرارها وتخمد أية بوادر للفتنة.
الحرب الأهلية, إن اندلعت ـ لا سمح الله ـ في العراق, ستكون خطرا اقليميا شديد الإختلاف عما
كان عليه الحال في لبنان, لأن لأطراف هذه الحرب امتدادات اثنية وطائفية في عدد مهم من دول الجوار, خاصة في سوريا وايران, وليس من المصلحة أن نفصّل في هذه النقطة, حتى لا نخدم مخططات الأعداء, أو الجهلاء من بيننا, دون أن ندري, أو نقصد.
يجب أن نأخذ في الإعتبار كذلك أن اندلاع حرب طائفية في العراق, وانتقال شرورها الى دول الجوار من شأنه أن يلغي صفة المقاومة الوطنية عن حزب الله في لبنان, أو أن يرفع عنه غطاء التأييد الشعبي واسع النطاق في صفوف جميع اللبنانيين والعرب, على تعدد طوائفهم ومذاهبهم.. بل واديانهم.
هنالك حقيقة بالغة الأهمية يتوجب تعميمها على أوسع نطاق, تجلت في نتائج استطلاع للرأي العام الأردني اعلنت نتائجه الأحد الماضي. فقد أظهر هذا الإستطلاع الذي اجرته وحدة قياس الرأي العام في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية (جامعة رسمية) أن الغالبية الساحقة من الأردنيين 63,6 بالمئة تعتبر حزب الله حركة مقاومة مشروعة, مقابل 69,1 بالمئة لحركة "حماس". وادانت غالبية الأردنيين قتل المدنيين, والشيعة في العراق 69,8 بالمئة, واعتبرت ذلك ارهابا, في حين أبدت غالبية الأردنيين فرحها وابتهاجها لمقتل أبو مصعب الزرقاوي 45,7 بالمئة.
أما قادة الرأي في الأردن, فقد أظهر الإستطلاع أن 82,4 بالمئة منهم يعتبرون حزب الله منظمة مقاومة مشروعة, مقابل 82 بالمئة لحركة "حماس", وأدان 91,7 بالمئة منهم قتل الشيعة في العراق, واعتبر ذلك ارهابا, في حين أبدى 55,6 بالمئة منهم ارتياحهم لمقتل الزرقاوي.
بالطبع, الذين لم يبدو ارتياحا لم يكن جميعهم حزين لمقتله, ذلك أن قرابة 25 بالمئة أبدت موقفا لا مباليا.
هذه النتائج تعني بكل بساطة ووضوح أن السنة العرب لا يريدون قتل اخوانهم الشيعة, بل إنهم يمجدون بطولات منظمات المقاومة الشيعية, لأنها منظمات عربية اسلامية تدافع عن حقوق العرب والمسلمين.
قبل الخروج من ملف التجربة الدموية بالغة المرارة في لبنان, لا بد من أن نسجل أهم الدروس المستخلصة منها, ونحن على ابواب تجربة أكثر دموية ومأساوية ومرارة هناك مع يعمل على دفع العراق وكامل المنطقة لها:
أولا: استحالة إلغاء الآخر. فلا المسلمين تمكنوا من إلغاء المسيحيين, ولا المسيحيين تمكنوا من إلغاء المسلمين. وبعد أن دمرت الطائفية لبنان ببشره وحجره واقتصاده, عاد الجميع للبحث عن القواسم المشتركة, فيما يتواصل دفع ثمن تلك الحماقة الكبرى في التاريخ اللبناني من عرق جبين, ولقمة عيش, ومستوى معيشة جميع اللبنانيين, ولأجيال تتابع.
ثانيا: أن الحرب الطائفية هي مجرد مفتاح لاندلاع حروب متعددة داخل جميع الطوائف, ما دام الإنقسام والتفريق يراد له أن يحل محل التجميع والتوحيد. فالمنظمات المسيحية في لبنان تقاتلت فيما بينها, وكذلك فعلت المنظمات المسلمة.. سنية كانت أم شيعية. ونحن لا نطبق التجربة اللبنانية بشكل قسري على العراق.. ذلك أن مقدمات الإنقسام داخل كل طائفة قد غدت ظاهرة للعيان, في البصرة ومحافظات جنوبية أخرى.
تبدأ حماقة التقسيم والتفريق بالتنازع حول من يمثل البلد, وتنتهي بالإقتتال حول من يمثل
الطائفة, ثم المدينة فالبلدة فالقرية فالحي والشارع..!!
ثالثا: ولأن الشعوب في كليتها تلعن من يوقظ الفتنة, وتريد أن تعيش بهناء وسلام, فإنها تلفظ في النهاية جميع امراء الحرب. ولندقق في نتائج التجربة اللبنانية: أين هم امراء الحرب الأهلية في لبنان..؟ وأين هي الأحزاب والقوى التي خاضت تلك الحرب..؟
بيار الجميل مؤسس حزب الكتائب مات, وقتل ابنه الأكثر تشددا بشير, وبقي ابنه الأقل تشددا أمين. أما حزبه, فإن تمثيله في مجلس النواب تراجع الى فقط نائبين, كما اقتصر تمثيل القوات اللبنانية التي انبثقت عن الكتائب على اربعة نواب, فيما مات كميل شمعون مؤسس حزب الوطنيين الأحرار, وقتل ابنه الأكثر تشددا داني على يدي سمير جعجع قائد القوات اللبنانية, ولم يعد لهذا الحزب أي نائب في مجلس النواب بعد أن انتخب هذا المجلس في الخمسينات كميل شمعون رئيسا للجمهورية حين كان يلقب بفتى العروبة الأغر، وقبل أن ينقلب إلى الطائفية..! لقد تراجع تمثيل امراء واحزاب الحرب لصالح ميشيل عون الذي بات يمثل 73 بالمئة من المسيحيين في لبنان, بما يمثله من موقف توحيدي وعقلانية فكر وسلوك.
وأين هي الأحزاب والقوى اللبنانية التي قاتلت في الصف المقابل..؟ لقد غابت أو خبت جميعها لصالح قوى جديدة, باستثناء وليد جنبلاط, ولا نقول الحزب التقدمي الإشتراكي.
حزب الله احتل مكانة حركة أمل.
وتيار المستقبل احتل مكانة جميع الأحزاب والزعامات السنية.
وكلاهما, حزب الله, وتيار المستقبل لم يشاركا في الحرب الأهلية.
أما جنبلاط, فقد استمر وجوده السياسي حتى الآن, لعدم وجود منافس قوي له داخل الطائفة الدرزية.
الأكثر تطرفا في الحروب الأهلية يخرج من اللعبة السياسية أولا, يتبعه بقية المتطرفين, لأن الشعوب, وإن أمكن سوقها لفترة محدودة نحو الإقتتال, فإنها سرعان ما تلعن وتلفظ موقظي الفتن, فكيف حين لا تخدم الفتن غير قوات الإحتلال ومخططاته التي تتجاوز حدود العراق الى البلدين اللذين يقاومان المخططات الأميركية في المنطقة ويقودان جبهة الممانعة..؟
العراقيون ليسوا أقل نخوة أو وطنية من اللبنانيين..
العراقيون الذين بدأوا بمقاومة الإحتلال في اليوم التالي لسقوط بغداد, وقبل أن يفيق الأميركيون انفسهم من ذهول الحدث, الذي تم في وقت أقصر من المتوقع, لأن الشعوب تدافع عن حرياتها لا عن قيودها, يجمعون, كما يعلنون ذلك عبر محطات الإذاعة والتلفزة أنهم يرفضون الفتنة, ويرفضون الطائفية, ومتمسكون بوحدة مجتمعهم, ولذلك, فإنهم لن يحتاجوا الى خمسة عشر عاما حتى ينقلبوا على امراء الفتنة, إن كانت في الفتنة امارة..!
وها هم اهالي الأنبار ارغموا الزرقاوي قبل مقتله على مغادرة منطقتهم, لأنهم يرفضون استهدافه لإخوتهم الشيعة..
وها هي فصائل وألوية العباس تعلن الثورة على قوات الإحتلال.
مقاومة الإحتلال هي التي تحظى بدعم كل العراقيين دون استثناء, غير الذين فقدوا البصر والبصيرة, واستبدلوهما بأحقاد طائفية استخرجوها من ظلمات التاريخ, لم يعرفها العراقيون من قبل. وهذه الأحقاد, قبل أن تقود اصحابها الى النبذ الشعبي ثم التهلكة الجسدية والسياسية, فإنها تعمل بقصد أو بدون قصد على تعطيل دور شيعة العراق في مقاومة الإحتلال, وفك أسر قوات الإحتلال, التي يفترض أنها الآن أسيرة قرار مركزي بشن هجوم شامل عليها, تأخر صدوره في
اطار ضرورات المناورة بالملف النووي الإيراني.
أما منظمة الزرقاوي (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين), فإنه ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها, ونعتقد أنه يجب عليها الإتعاظ من نتائج استطلاع الرأي العام الأردني المشار إليه, حيث حظى حزب الله الشيعي بشبه اجماع على مشروعية مقاومته للإحتلال, وحظيت هي بأغلبية مطلقة تدينها بالإرهاب, وليس في ذلك مفاجأة, فقد توقعه الدكتور أيمن الظواهري في احدى رسائله للزرقاوي.
يجب على هذه المنظمة أن تبصر, كما جميع المنظمات المسلحة في العراق, أن قصر استخدام السلاح على مقاومة الإحتلال يوحد كل البنادق في ساحة المعركة, وأن الإنجرار وراء الأهداف الإنقسامية يؤدي فقط الى خدمة الإحتلال وادامته, ونبذ الشعب لمرتكبيه.
وبقي أن نقول أن ارتكاب آثام الإجرام الطائفي, ونفي ذلك, لن يحول دون تحقق ذات النتائج, خاصة وأن أحدا لا يستطيع خداع الشعوب.
ولتكن لنا جميعا أسوة حسنة بالإمام علي كرم الله وجهه, حين رفض تكفير ومقاتلة الخوارج إذ كفروه, وكذلك بالشهيد على شريعتي منظر الثورة الإسلامية في ايران حين دعا الى تشيع علوي لا صفوي, وتسنن محمدي لا أموي.
|