|
على هامش زيارة اوباما لعمان
الأردن في المعادلة الإنتخابية الأميركية
29/7/2008
شاكر الجوهري
تصريحات روبرت كاغان، أحد مستشاري حملة جون مكين، المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية التي تحدثت عن حل ودولة فلسطينية في الأردن، رغم نفيها من قبل الأردن الرسمي، تقف وراء الإهتمام الملكي اللافت بزيارة المرشح الديمقراطي باراك اوباما الأخيرة لعمان.
لقد حظي المرشح الديمقراطي بما لم يحظ به ماكين حين زار عمان قبل اربعة أشهر، إذ حرص الملك عبد الله الثاني شخصيا على قيادة السيارة التي أقلت اوباما إلى مطار الملكة علياء الدولي، ليغادر الأردن متجها إلى اسرائيل، حيث المحطة التي ربما تكون أكثر أهمية بالنسبة للأردن من زيارة عمان ذاتها، نظرا لأهمية ما سيقوله المرشح الديمقراطي هناك.
الرسميون الأردنيون برروا هذه الحميمية التي خص بها الملك اوباما، وقد تضر علاقات الأردن بالولايات المتحدة في حال فوز ماكين، ـ "تفاعل الكيمياء بين القائدين الشابين".."لقد تعاملا كما لو أنهما يعرفان بعضهما البعض منذ فترة طويلة جدا".
أكثر من ذلك هناك من تحدث من بين الرسميين الأردنيين عن "نجاح الرهان على أن الشابين سيندمجان، وسينجحان في التأسيس لعلاقات شخصية قوية، بسبب تداخل عوامل كثيرة صقلت شخصيتهما وطريقة تفكيرهما وتجربتهما في الحياة وأسلوب العمل. فهما تأثرا في طفولتهما بأجواء الحرب الباردة، وعاصرا انهيار الإتحاد السوفياتي، وما رافق ذلك من تداعيات على مستوى القارات الخمس، انتهت بقيام نظام عالمي أحادي القطب، ثم بدء تراجع نجم اميركا السياسي خلال ولايتي الرئيس جورج بوش الإبن.
ولكن ما الذي يريده الأردن الرسمي من المرشح الديمقراطي، وما الذي أراده اوباما من زيارة عمان..؟
لنبدأ بالمرشح الديمقراطي..لقد أراد أن يثبت للرأي العام الأميركي من خلال جولته التي شملت عددا من عواصم دول الإقليم الساخن، من بينها العاصمة الأردنية لسويعات محدودة، أنه يمتلك خبرة في السياسة الخارجية، خلافا للتشكيك الذي يواجهه على هذا الصعيد من قبل حملة منافسه ماكين.
ولذا، فقد كان بالغ السعادة وهو يستقبل من قبل قادة الدول التي زارها، وتنشر صوره وهو يجري مباحثات سياسية معهم. وهذا هو كل ما أراده خلال هذه المرحلة.
وللدلالة على ذلك، وكي لا يحسب عليه موقف ما، يجعله يخسر معركته الإنتخابية عبر اغضاب قطاعات من الناخبين الأميركيين، حرص اوباما على توازن تشكيلة الوفد الذي رافقه في جولته..فهو اصطحب معه دينيس روس، المتعاطف مع اسرائيل، ومهندس عملية السلام التي انطلقت في تشرين أول/اكتوبر 1991، والمبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط لسنوات..كما اصطحب أيضا تشك هيغل السيناتور، الجمهوري عن ولاية نبراسكا، واحد أهم معارضي الحرب على العراق ومؤيدي حل الدولتين فلسطين.
أراد اوباما أن يحافظ على توازنه من خلال موازنة وفده المرافق.
أما ما يريده الأردن من هذا الإستقبال الحميم فهو كثير..
هو يريد أولا، وقبل كل شيئ، موقفا من المرشح الديمقراطي، في حال فوزه، الذي بات في الأردن الرسمي من يبشر بأنه أصبح مضمونا، سياسة اميركية تحافظ على بقاء الكيان الأردني، الذي تتهدده، ليس فقط البؤر الملتهبة غربا وشرقا، ولكن كذلك رؤى مرعبة مؤهلة لأن تنمو في صفوف غلاة المحافظين في الحزب الجمهوري.
لقد قامر الرئيس بوش بأمن واستقرار الأردن حين قرر غزو واحتلال العراق، مزاوجا ذلك بالإمتناع عن تحريك عملية التسوية السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي في شقه ومساره الفلسطيني..
كما أنه يمارس ضغوطا اقتصادية غير مسبوقة على الأردن تتمثل في عدم إنارة الضوء الأخضر لمساعدات نفطية من دول عربية للأردن، الذي تعاني موازنته العامة من خلل مضاعف جراء الإرتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، وباتت فاتورته النفطية تستهلك أكثر من ثلث الموازنة العامة للدولة، وتقفز عن حاجز المليار دينار.
بوش، وفقا لقناعات اردنيين كثر، يعمل على تغليظ الضغوط الإقتصادية والمعيشية على الأردن والأردنيين، بهدف تهيئة الأجواء لإكراهه على احتواء ما تبقى من مخرجات القضية والحل الفلسطيني. وبذا، فإ ن حديث كاغان عن استراتيجية ماكين الهادفة لإقامة دولة فلسطينية في الأردن، تأتي استكمالا للسياسات التي نفذت في عهد بوش.
وللمفارقة، فإن عهد بوش الجمهوري قدم كما غير مسبوق من المساعدات الأميركية للأردن، وذلك لثلاثة أسباب:
الأول: بهدف تعويضه عن الخسائر المالية الكبيرة التي لحقت به جراء الإحتلال الأميركي للعراق. لقد كان الأردن يحصل على نصف فاتورته النفطية مجانا من عراق صدام حسين، وعلى النصف الآخر بأسعار تفضيلية.
الثاني: الحفاظ على قدرة الأردن على البقاء بما يكفي ويؤهله للإستجابة للإستحقاقات الأميركية المقبلة، كما أشرنا سابقا.
الثالث: التمكن من ممارسة ضغط فعّال على الأردن عند الضرورة، وفي ساعة الصفر المرتبطة بالحل الفلسطيني الدائم.
لذا، فإن هناك رسميون في الأردن يفضلون فوز المرشح الجمهوري ماكين، باعتبار أن الجمهوريين أكثر سخاء من الديمقراطيين في تقديم المساعدات المالية للأردن. غير أن وجهة النظر هذه يغيب عنها عاملان:
الأول: أن سبب هذا السخاء يكمن في حقيقة السياسات الجمهورية الخرقاء في المنطقة، وفي محاولة للتعويض عن خسائر اردنية هي من تسبب بها.
الثاني: أن هذا السخاءمؤقت، ويهدف فقط إلى تأهيل القيادة الأردنية لتلبية الإستحقاقات الجمهورية المقبلة.
هذه الرؤيا يلخصها مسؤول اردني بالقول "قد تلتقي مصلحة الأردن متوسطة وبعيدة المدى مع الديمقراطيين وليس مع الجمهوريين، الذين يظهرون سخاء في المساعدات الخارجية، لكنهم يتبنون سياسات قصيرة المدى وعدوانية تفضل مصلحة اسرائيل على مصلحة اميركا وتهدد الأردن".
ويستطرد المسؤول الأردني مضيفا "الأردن بشبكة علاقاته وتحالفه الإستراتيجي مع اميركا، ومعاهدة السلام مع اسرائيل ـ التي تظل خطوطا حمراء في استراتيجية الدولة العليا، قادر على التعامل مع أي رئيس اميركي قادم، سواء كان ماكين أو اوباما، على قاعدة "من يتزوج أمي فهو عمي"..!
ولكن هل هنالك فعلا تحالف استراتيجي اردني اميركي..؟
يجيبك معارضون اردنيون مؤكدين وجود هذا التحالف، لكنه قائم فقط من جانب واحد، ما دامت اميركا تقامر بأمن واستقرار الأردن في عهد بوش، وبوجوده في عهد ماكين، إن أصبح هو الرئيس المقبل..!
هل يشذ اوباما عن سابقيه من الرؤساء الأميركيين في حال فوزه بالبيت الأبيض..؟
سؤال يطرح نفسه في ضوء افراط اردني رغائبي بالتفاؤل.
وهو افراط لا يرى، ولا يريد أن يفهم حقيقة تحكم المصالح الذاتية للمرشحين، والمسؤولين الأميركيين في مواقفهم، بدلا حتى عن قناعاتهم.
وها هو اوباما يعلن التزامه بوجود وأمن اسرائيل، حليف اميركا الإستراتيجي، وإن بذات الصراحة التي أكد فيها أن قضية الشرق الأوسط ستكون على رأس سلم اولوياته في حال فوزه بالرئاسة، وصولا إلى حل على أساس دولتين.
لا جديد يضاف في هذا المجال إلى ما قاله الرئيس بوش، وظل لا يعمل بموجبه طوال ولايتين..!
ولا جديد أيضا يضاف إلى ما قاله ولم يفعله من قبل الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون طوال ولايتين هو الآخر، الذي كان دينس روس من بين كبار مستشاريه، ومبعوثه الأثير للشرق الأوسط..!
بل إن هناك في عمان من يرى في اصطحاب اوباما لدينس روس رسالة تطمينات ضمنية لإسرائيل، واللوبي اليهودي في اميركا، من بين ما تتضمنه تنصلا من الجذور المسلمة للمرشح الديمقراطي، ومن صداقته السابقة مع المرحوم الدكتور ادوارد سعيد..!
لكنه بمقابل ذلك، هناك في عمان من أطربه معرفة اوباما بتفاصيل التحديات الداخلية الأردنية، كالمعادلة الديموغرافية التي يريد ماكين حلها على حساب الكيان الأردني، والطاقة والمياه التي تتفاقم مع غياب أفق السلام في فلسطين، حيث يقر هؤلاء بازدياد مخاطر حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن..!
وهو طرب ليس في محله، ذلك أن معرفة هذه التفاصيل، خاصة في ظل انتهازية السياسة والسياسيين الأميركيين، لا يجب أن يعني بالضرورة الإستعداد للعمل على تخليص الأردن مما هو فيه، بل قد تكون مقدمة لتوظيف هذه الحقائق والمعلومات من أجل الإمعان في ابتزاز الأردن، وتعميق الأزمات التي تواجهه..!
حين تكون هذه الرؤية هي الأقرب للواقعية، تتراجع أهمية كل ما قله اوباما للملك عبد الله الثاني بشأن اعتماده مقاربة اقليمية واسعة النطاق تشمل معالجة الإرهاب والمتطرفين وانتشار سلاح الدمار الشامل وسائر القضايا المتعلقة بإيران وأفغانستان والعراق وباكستان وحزب الله و"حماس" وسوريا والعلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين..ذلك أنه لم يشغل اهتمامات الإدارات الأميركية المتعاقبة شيئ اكثر أهمية من ذلك طوال عقود متعاقبة، غير أن كيفية إدارة هذه القضايا كان يحقق دوما نتائج كارثية على مصالح الأردن قبل غيره من دول الإقليم.
ومع ذلك، يؤكدون في عمان أن الأردن سمع كل ما كان يريد سماعه من المرشح الديمقراطي، ولكن يظل الأهم هو إقران الأقوال بالأفعال، وهو ما تعلمناه، وطالما سمعناه من الغرب حين كان يتعلق الأمر بالتنازلات التي يريدها منا لمصلحة اسرائيل..!
وهذا ما يمسه مسؤول اردني بالقول "المقاربة الأميركية ستتواصل ضمن محددات واقعية لن يستطيع أي رئيس مقبل المساس بها، وعلى رأسها عدم إدارة الظهر لإسرائيل تحاشيا لإغضاب اللوبي الصهيوني المتنفذ داخل وخارج اميركا"..!
بقي القول إن اختيار عمان من بين عواصم الإعتدال العربي لتشملها جولته، إلى جانب البؤر الساخنة في العراق وفلسطين وافغانستان لم يكن بهدف تعزيز اوباما للأهمية الجيوسياسية للأردن، الذي تجاهل زيارته خلال جولات متتالية الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، على نحو تسبب بقلق غير مسبوق في عمان، ومثل مقدمة طبيعية من وجهة نظر محللين لتصريحات كاغان. وهذا ما ينسجم مع رؤية سياسي اردني من أنه "في حالة فاز اوباما بالبيت الأبيض، فإن وعود الحملات الإنتخابية تمحوها متطلبات العمل على أرض الواقع."، إلا حين تكون تطلق الوعود على قاعدة التحالف الإستراتيجي مع اسرائيل، لا مع أي عربي..؟
|
حول التيار الوطني الديمقراطي في الأردن
حمادة فراعنة نجحت احزاب التيار الوطني الديمقراطي الاربعة؛ حزب الشعب والشيوعي والبعث التقدمي والعربي الاردني مع شخصيات مستقلة ونقابية مؤتلفة في عقد المؤتمر الاول لفرع العاصمة للتيار اليساري القومي تحت عنوان "التيار الوطني الديمقراطي" وذلك يوم 29 حزيران 2008 في قاعة مركز الحسين الثقافي، بحضور حوالي 200 شخصية حزبية ومستقلة على امل ان لا يكون اجتماعهم مجرد خطوة على طريق استكمال بناء الهيكل التنظيمي للتيار، بل ان يكون دعامة من دعامات ترسيخ دور التيار اليساري
القومي في الحياة السياسية والاجتماعية لبلدنا، وتوسيع قاعدته الجماهيرية عبر الحوار والانفتاح والاقناع وقوة المثال كنموذج جاذب للعناصر والاتجاهات والشخصيات التي تتمتع بالاهلية والشعبية، وان يكون عن حق منبراً ديمقراطياً يستوعب كافة القوى والشخصيات المستقلة والنقابية واولئك الذين يتطلعون لتقدم بلدنا وامنه واستقراره والحفاظ على استقلاله وهويته والعدالة فيه ولكل ابنائه. احزاب التيار اليساري القومي والشخصيات المؤتلفة، في هذا التجمع، نجحت في الحفاظ على استمراريته منذ المؤتمر التأسيسي للتيار يوم 26- 12- 2006وتشكيل هيئة رئاسية من الامناء العامين الاربعة منير حمارنة وفؤاد دبور واحمد يوسف ومازن ريال وعدد مماثل من الشخصيات المستقلة اختاروا النقابي فهمي الكتوت ناطقاً بلسانهم، فجاء انعقاد المؤتمر الاول لنشطاء العاصمة كدلالة ومؤشر على الاصرار والمتابعة وشق الطريق في ظل ظروف سياسية واقتصادية صعبة وفي ظل تنافس وتشتت حزبي وسياسي معيق، وهزائم سياسية كبرى عصفت بالوضع العربي ولا تزال آثارها المدمرة قائمة ومحبطة وما النشاط الحزبي والسياسي وتطلعات القائمين والمبادرين والمشاركين في التيار سوى روافع للخروج من معيقات الاحباط والتراجع والانتكاسة.
في مداخلاتهم ابرز الدكتور محمد الحموري المقارنة بين القوانين التي اقرها مجلس النواب في دورته الاخيرة وبين احكام الدستور الاردني، الذي اعتبره من اوائل الدساتير في العالم العربي التي كفلت الحريات الديمقراطية والعامة، وقد ابرز المحامي الاكاديمي الحموري اوجه التعارض بين القوانين وبين نص وروح الدستور الاردني مطالباً بتشكيل جبهة وطنية اردنية للدفاع عن الدستور. اما احمد يوسف امين عام حشد فقد استعرض ابرز الخطوات التنظيمية التي نفذتها هيئة رئاسة التيار في الاشهر الماضية من عمر تأسيس التيار، واشار الى سلسلة المواقف التي اتخذها التيار تجاه تردي الاوضاع المعيشية للاردنيين وتجاه تدني سقف الحريات العامة وتراجعها تحت تأثير القوانين غير الديمقراطية التي اقرها البرلمان وهي الاجتماعات العامة، والجمعيات والعمل. وتناولت الدكتورة حنان الهلسة دور المرأة في تشكيل التيار ومساهمتها في هيئاته والعمل على تعزيزها ودور الهيئات النسائية في العمل على انصاف المرأة ومشاركتها للرجل في العناوين الكفاحية المتتالية. المجتمعون في المؤتمر الاول لمحافظة العاصمة للتيار الوطني الديمقراطي، في ختام مداولاتهم اقروا الوثيقة البرنامجية السياسية التي سبق ان اقرها المؤتمر التأسيسي للتيار كما اقروا مشروع النظام الداخلي "اللائحة التنظيمية" التي تقود عمل الهيئات القيادية للتيار، كما انتخبوا مجلس المحافظة المكون من 53 شخصية مختلفة.
التيار الوطني الديمقراطي، رغم اهميته، وحاجة الاردنيين لرافعة يسارية قومية متماسكة تتمثل فيه ويمكن الرهان عليها ما زال اعرج، ولم يرسخ اقدامه بقوة باعتباره عنوان الائتلاف اليساري القومي في بلادنا لسببين جوهريين: اولهما عدم مقدرته على جذب حزب الوحدة لصفوفه كما فعل اليسار الفلسطيني الذي بدأ بالتبلور والانحياز بين الديمقراطية والشعبية وحزب الشعب، فحزب الوحدة الشعبية الاردني مكون اساسي من اليسار الاردني وبقاؤه تحت إبط حركة الاخوان المسلمين وتفاعلاتها وسياساتها اساءة بالغة لمكانة الحزب ويساريته، وخسارة لليسار الاردني ولطموحات التيار الوطني الديمقراطي، ولذلك يجب بذل جهود مضاعفة لتطويق رهانات حزب الوحدة على بقاء تحالفه مع حركة الاخوان المسلمين وحزبها وخياراتها غير الديمقراطية ودعمها للانقلاب في غزة المؤذي لكافة اطراف الحركة السياسية الفلسطينية. وثانيهما بقاء احزاب التيار في اطار لجنة التنسيق الحزبي الذي تتوه من خلاله المعارضة الوطنية الديمقراطية مع المعارضة الرجعية الاصولية المتطرفة، ونظراً لان المعارضة الاصولية هي الاقوى بسبب تحالفاتها السابقة مع الحكومات العرفية المتعاقبة قبل استرداد شعبنا لحقوقه الدستورية عام 1989 وبسبب تحالفاتها مع الولايات المتحدة الاميركية في الحرب الباردة، بسبب قوتها تطغى سياساتها وعناوينها على مجمل الحركة السياسية والمعارضة في بلادنا وبالتالي تطمس دور وتأثير وشخصية المعارضة الوطنية الديمقراطية، ولهذا على احزاب وشخصيات التيار الوطني الديمقراطي المحافظة على سياساتها المستقلة عن تلك المعارضة المتطرفة والعبثية الاصولية المدمرة لمسار وتطور الحياة الديمقراطية في بلادنا والتي يتم توظيفها لمصلحة التراجع عن الحقوق الدستورية لشعبنا وعن الانجازات التي تحققت بفعل مسار طويل من التضحيات لم يكن للتيار الاصولي والمحافظ دور فيه بل كانت تقف ضده.
عن صحيفة الايام الفلسطينية 19/7/2008
اضف تعليقاً جديداً
* سيتم اهمال التعليقات المتضمنة اساءات شخصية أو تعابير مسيئة أو تهجماً بطريقة غير لائقة. نرجو ذكر الاسم الحقيقي، لكي يتم نشر التعليق، ولن تنشر التعليقات التي تتضمن كنى أو القاباً. ونؤكد على تعبئة النموذج بمعلومات صحيحة كي يتسنى لنا الإتصال بكم بسهولة.
التعليق:
أية مجلة فكرية لا تهتم سوى بالفكرة أما شروط التعليق أعلاه فغير ديمقراطية عندما تطلب كل ما تطلبه وزارة الداخلية..مش ناقص إلا الرقم الوطني لتسجيله في السجل .. عشان هيك ما حدا علق ليعلق مع المخابرات بوجه سقافي.. ياعيب ع الكتبة وياعيب ع الدفيعة.. وملعون أبو اللي يفكر يكتب عندكم حتى لو مات من الجوع.
أبو غضب
|
أنتـــــم الأجانـــــب
عباس بيضون
هانيبال القذافي ابن معمر القذافي وليس للوالد في النظام الليبي الذي يلغي الدولة ويقيم مكانها المؤتمر الشعبي الذي هو سلطة مباشرة منتخبة من المجالس الشعبية. ليس للأب رسمياً في النظام الليبي سوى اسم »القائد« وهو اسم معنوي، أما الابن فيعيش في سويسرا بعيدا جدا عن ليبيا والنظام الليبي. أخضعت الشرطة السويسرية الابن للتحقيق اثر ادعاء خادمتيه عليه بأنه اشترك مع زوجته بضربهما. لقد طبقوا عليه القانون السويسري. وهو قانون نظام أقل ديموقراطية من حكم المجالس الشعبية. لنقل أقل شفافية فالعقيد القذافي ملهم النظام الليبي لا يجد في الديموقراطية سوى حيلة النخبة للاستيلاء على الحكم باسم الشعب. لكن التهمة هي ضرب خادمة ولا نعرف إذا كان حكم المجالس الشعبية يسمح بتقسيم الشعب بين خادم ومخدوم ويأذن بوجود مهنة أقرب الى الرق، لأنها تملك من كل وقت صاحبها بدلاً من امتلاك جسده. لا نعرف بالطبع إذا كان حكم المجالس الشعبية يسمح بالضرب. لكنه ابن القائد وقد تجاسر السويسريون على مقاضاته بتهمة ضرب خادميه، ومع أن القائد بلا سلطة إلا أن الشعب الليبي نزل الى الشوارع واعتقل حكم مجالس الشعب بعض السويسريين وقرر حكم المجالس قطع البترول عن سويسرا. التناقضات ظاهرة ولا حاجة الى شرحها، حكم مجالس الشعب يستنفر للدفاع عن ابن القائد الذي لا سلطة له ويدعمه ضد ضرب خادميه. الليبيون الذين نزلوا الى الشارع لم ينظروا اليه في التهمة، ما دعاهم الى الاحتجاج هو أن السويسريين يطبقون قانونهم على ابن الشعب الليبي، فابن القائد الليبي لا يجري عليه قانون البلد الذي اختار العيش فيه.
إنه تحت قانونه الخاص أين عاش وكيف عاش. تحت نظامه مهما كان نظام البلد الذي يتظلل بسمائه. ليس للأجانب سلطة عليه حتى في بلادهم. إنهم الأجانب حتى ولو ذهب هو إليهم وفضل العيش بينهم. إنهم الأجانب حتى في بلادهم، لا يخطر بالطبع ان الليبي أو المسلم هو الأجنبي في سويسرا، أو فرنسا أو الدانمارك. أو أن قانونه ونظامه أجنبيان في غير بلده. السويسري والفرنسي والدانماركي هو الأجنبي أين كان، في بلده أو بلادنا وقانونه هو الأجنبي في بلاده أو بلادنا. ولن يكون تطبيقه علينا حتى في بلاده سوى قهر واعتداء وكيد ونكاية. لا نسأل بالطبع عن منزلة القائد وابن القائد في حكم بلا دولة بحسب ما يدعي. لا نسأل عن حكم ضرب الخدم في نظام المجالس الشعبية، فالجواب مفحم وحاضر: لا خدم في نظام المجالس الشعبية. على هذا، فإن من يضرب خادمته لا يضرب أحداً. التهمة غير ذات صفة من الأساس مثلها مثل الكلام عن حكم القذافي، فإنه لا يحكم وما تراه من نزول الليبيين الى الشارع واعتقال السويسريين وقطع البترول الذي لم يقطع في أكثر الظروف السياسية احتداداً، كل ذلك لم يحدث لأن القذافي لا يحكم وابنه ليس من السلالة الحاكمة. لكن ثمة مسألة واضحة، إنهم الأجانب ونحن لسنا هم. قانونهم قانون أجانب وحكمهم حكم أجانب وقرارهم قرار أجانب وهم أجانب حتى في بلدهم. وما يفعلونه ليس لنا ولا يجري علينا، إنه بالطبع افتئات واعتداء، لأنهم أجانب ولأنهم ليسوا نحن. هكذا يمكن مثلاً أن نفهم كيف نشرت الممرضات الأجنبيات السيدا، وقرينة ذلك الأولى أنهم أجنبيات. أما كيف أطلقن بعد ذلك برغم ما فعلن، فللسبب نفسه، لأنهن أجنبيات ولا يجري عليهن قانوننا ولا شرعنا.
قد يكون هذا هو المثل الأكثر ركاكة، لكن الأمثلة الأخرى تنبع من المبدأ نفسه. إنهم هم ونحن نحن ولا يجري علينا قانونهم، إنهم أجانب حتى في بلادهم وقانونهم غير ذي صفة حتى في بلادهم. ذهب عمر البشير الى دارفور وهناك وهو يرقص بالعصا أعلن حملة سلام وتنمية وأقفل عائدا. إذا كانت هذه الحملة حاضرة وممكنة فلم تركت الحرب الأهلية تفترس الإقليم؟ ولماذا ذهبت كل النداءات والتدخلات الأولى سدى؟ لم يكن سقوط وتشرد وجوع مئات الآلاف ليساوي قلامة من المس برئيس البلاد. وها هو الرئيس يغدو قادراً ورئيساً في مواجهة الأجانب. أما الذين دعموه واستقبلوه فلا يزالون يحسبون أن الدم الأخوي أقل وصمة من التدخل الأجنبي، مثلهم مثل الذين لا يزالون يفضلون الحروب الأهلية والدم الأخوي على »الأصابع الخارجية«، فالأصابع الداخلية وهي تقطر دماً وإجراماً وكراهية لا تزال »أصابعنا« ولا تزال منا ولا نزال نحن، أما اليد الأجنبية فهي عار علينا ولو كانت غير دامية وغير داعية الى الدم. ليتركونا نقتل بعضنا بعضا. أحكامهم ودعواتهم ومحاكمهم وقراراتهم أشد علينا من سكاكين إخوتنا ومتفجراتهم وجرائرهم كلها.
منذ فترة كانت الوزارة الهولندية في قلق مقيم لقد حاول الوزراء ما استطاعوا الحيلولة دون بث فيلم نائب يميني ضد الإسلام والمسلمين. لم يخفوا اعتراضهم ودعوا الى تجاهل الفيلم وحصر بثه في أضيق نطاق، لكن القانون وهم لا يستطيعون مع القانون شيئاً. إنه القانون وليس فيه ما يمنع عرض الفيلم. كانت ليلة ليلاء عرض فيها الفيلم، لكن ساعة الصفر مرت ولم يحدث شيء. لم يكن في الفيلم سوى الشائع المعاد، إنه قانونهم هم ونحن نريد أن نكون دائما تحت قانوننا وأن نردهم أجانب في بلدهم ونرد قانونهم أجنبياً في بلده. نريد أن نعيش تحت قانوننا في بلدنا وغير بلدنا، ويكون كل ما يتعلق بنا بما في ذلك إيماننا وثقافتنا، تحت هذا القانون. لقد نال الدانمركيون ونالت سفاراتهم ما نالت بسبب هذا القانون اللعين قانونهم الذي لا يمنعهم من التعرض للأديان بما في ذلك دينهم. إنهم الأجانب ولأنهم كذلك فإن في ما فعلوه إساءة وإهانة. لم يخطر لنا ما قاله محمد حسنين هيكل من أن رموزا كبيرة راسخة لا يمكن أن تهان أو يساء إليها. لا يمكن أن يهان المسيح أو بوذا بالطبع بكلام لا يخرج عن هذا التجديف الذي لا يزال على ألسنة الناس ليل نهار، والذي ليس في غالب الأحيان سوى عادات كلامية ولا سبيل لحصره أو مراقبته. لم يخطر أن الإهانة فوق مطال رسم كاريكاتوري وأن الحضور الهائل لشخصيات صنعت التاريخ لا يحتاج الى دعم في الشوارع ولا يحتاج بخاصة الى التدمير والتخريب اللذين يسيئان أكثر من أي شيء آخر. ثم ان من الغريب ان يطلق هؤلاء
الغاضبون العنان لألسنتهم في ذم الأديان الأخرى ونعت أصحابها بالكفار والإفتاء بقتلهم أحياناً، وأن يتم ذلك أحيانا في بلاد الأجانب أنفسهم مستغلين قانونهم فيما نريد إخضاع الأجانب وفي بلادهم ودولهم لقانوننا الخاص والذي ليس سوى قانوننا الخاص، ولا نقول إنه قانون ديننا، ما دام أهل الدين مختلفين فيه ولا يستوون إزاءه على رأي واحد. لم يكونوا أجانب أولئك الذين سمحوا بإغراق العبّارة المصرية وإغراق ألف مسكين منها، إنهم منا لذا لم نشعر بإهانة كتلك التي شعرنا بها حين مس رئيس وابن رئيس، ولكننا تركنا الشعب يموت بالسيدا كما تركنا الألف بتمامه يغرف في اللج ويذهب أثره. لم نشعر بإهانة لأن ألف إنسان عوملوا أقل من العبيد، وأسلموا الى أسوأ من الموت، لكننا ثرنا وثارت كرامتنا لأن هناك من انتصر لخادمين عربيين من سيدهما. غرق ألف إنسان، لكنها ليست جريمة إذ لم يجد القضاء فاعلا حقيقيا، إنه قانوننا نحن هذه المرة لا قانون الأجانب، قانوننا وتحت سمائنا وفوق أرضنا الذي يسمح بخنق ألف إنسان في الماء. قانوننا ونحن به ضنينون أما قانون الأجانب الذي يرفع الضرب عن الخدم فهو قانون الأجانب، وليس مهماً أن ينصف خادمين منا وليس مهما أن يبقى ألف إنسان في القاع.
ها هي الصور، اتركونا نقتل ونغرق بعضنا في بلادنا ونضرب خادماتنا في بلادكم. وانصرفوا عنا فنحن لا نريدكم في بلادنا ولا نريدكم في بلادكم. أنتم الأجانب. دعونا منكم لا تنصحون بالسلم ولا القانون ولا الدولة ولا المجتمع. إن فعلتم لك وصمتونا أكثر من الدم الذي يصم تاريخنا وحاضرنا، نريدكم بعيدين. أنتم لا تفهمون بالطبع كيف يكون الحكم طرفا وكيف يكون الحكم حربا. لكنكم لن تفهموا أكثر كيف لا يكون هناك حاكم ويكون حكم وتكون سلالة حاكمة. انكم لا تفهمون كيف نكون بلا قانون ونريد أن نعيش بينكم بقانوننا ونريدكم أجانب في بلادكم حتى حين نفضل بلادكم على بلادنا وحكوماتكم على حكوماتنا. وحين نستغل قوانينكم لذمكم وذم شرائعكم وإيماناتكم. نريدكم بعيدين أو بالأحرى نريدكم قريبين جدا. قريبين قرب الشيطان نفسه، لنلقي عليكم تبعة كل شر وكل ريبة ولنتهمكم فيما خصكم وخصنا. لندين انفسنا بكم أو ندينكم في أنفسنا ويخدمكم فيما بيننا وبين ضمائرنا فيما بينا وبين عقولنا توسوسون لنا وتندسون في قلوبنا وجوانحنا وعقولنا. فتكونون ابليس الحارس وتملون علينا كل دسيسة، فنرد إليكم ما نفعله بأيدينا وما نقرره بإرادتنا. إلا أننا مملوكون ممسوسون مدارون. فالحروب الأهلية بسلاحنا ودمائنا وأجسادنا صنيعكم، والفساد والانحطاط والتجلد (من الجليد) من وحيكم، فنحن أدواتكم وصنائعكم وما فعلناه براء منه الى يوم القيامة. أنــتم الأجانب في بلادكم وبلادنا. في قانونكم وقانوننا. في أنفسكم وأنفسنا.
آن أن يتوقف العبث بعقول اللبنانيين وكراماتهم ومصالحهم الحيوية. آن أن تستكمل الولادة العجائبية لهذه الحكومة التي شارك في تشكيلها العالم كله، بشرقه وغربه، وعلى امتداد أربعين يوماً ثقيلة الوطأة، بابتداع "البيان التاريخي" الذي يريد منه البعض أن يكون "نهاية لحقبة استثنائية" عبرت وانتهت، و"بداية لعهد جديد" مقطوع الصلة بهوية البلاد وهموم أهلها. آن أن تنتهي هذه المهزلة التي لن تفيد لا في تعديل موازين القوى، ولا في التمكين للمناخ التوافقي الذي سمح بتشكيل هذه الحكومة التي يفترض أنها إنما استولدت لتجمع لا لتفرق... تتمة
|